اجتذبت أنباء الانتفاضة الفلسطينية وما تبعها من تطورات اهتمام الجميع, فلم يلتفتوا بالقدر الكافي الى حدث آخر مهم تواكب معها, هو الانتخابات العامة المصرية التي جرت خلال الشهرين الماضيين. وتعود اهمية هذه الانتخابات الى ان مصر, سواء رضي بعضنا بهذا ام كرهه كانت دائما صاحبة المبادرات العربية التاريخية سواء كانت مبادرات طيبة, او كانت سيئة, وفي وقائع تاريخ القرن الماضي من هذين النوعين الكثير اول دستور عربي, وأول برلمان عربي وأول مجلس نواب عربي, واول صحيفة عربية واول خطوط للسكك الحديدية وأول قانون مطبوعات وأول قانون طوارىء وأول محاكم امن دولة وأول نكسة وأول انتصار, وأول مبادرة سلام.. يا سلام! ربما لهذا السبب فإن اجراء اول انتخابات عامة تحت الاشراف القضائي الكامل في مصر, كان يتطلب اهتماما اكثر مما حدث بالفعل صحيح ان العادة جرت على ان تكون بعض الانتخابات العامة نزيهة في بلد مثل لبنان.. ولكن من الصحيح ـ كذلك ـ ان العادة جرت على الا تكون الانتخابات العربية نزيهة, والامثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى, اما الاصح من هذا وذلك فإن اجراء انتخابات عامة نزيهة في مصر, ليس كاجرائها كذلك في اي بلد عربي آخر, بحكم انها بلد المبادرات التاريخية.. وكان من حسن حظ مصر, ان اول انتخابات عامة, اجريت فيها عام 1923 كانت نزيهة وكان من دلائل ذلك ان رئيس الوزراء ووزير الداخلية الذي اجريت في عهده, وهو (يحيى ابراهيم باشا) قد سقط في تلك الانتخابات امام مرشح حزب الوفد, الذي فاز بالاغلبية وشكل رئيسه سعد زغلول الوزارة, لكنها لم تعش سوى احد عشر شهرا قدمت في نهايته استقالتها بعد ان رفض سعد زغلول قبول الانذار الذي تقدم اليه به البريطانيون, وحملوا حكومته المسئولية عن مقتل السردار البريطاني للجيش المصري, وطبقا للدستور الذي كان قائما انذاك, فقد كان لابد وان تجرى الانتخابات العامة خلال شهرين, وطبقا للظروف التي كانت ماثلة يومذاك , فقد كان لابد وأن تنتهي هذه الانتخابات بعدم حصول حزب الوفد على الاغلبية وبسقوط كل مرشحيه.. وهكذا تقدم (اسماعيل صدقي باشا) لتقوم بهذه المهمة الديمقراطي الجليلة, ولأنه كان ديكتاتورا بالفطرة يعتقد ان الشعوب مجرد زحام من الغوغاء تجمعمم صفارة وتفرقهم عصا, ويؤمن بأن الناس تحركهم المصالح لا المبادىء, كما كان وافر الذكاء واسع الحيلة, فقد سعى لكي يضم عددا من اعضاء مجلس النواب الوفدي المنحل, الى حزب الحكومة, مؤكدا لهم بأن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تضمن لهم استرداد حقائبهم البرلمانية, ومهددا اياهم, بأنهم اذا لم يقبلوا فإنه سيزور الانتخابات ضدهم, فلا يفوزون بخوخ الشام, ولا بعنب اليمن. ودهش (صدقي) حين رحب النواب الوفديون بالعرض, ولم يشترطوا عليه سوى شرط واحد, وجده معقولا فقبله, وهو ان يظل انضمامهم الى حزب الحكومة سرا حتى يضمنوا اصوات الناخبين الوفديين, ودهش اكثر حين نشطوا في جلب اخرين من زملائهم النواب الوفديين ابدوا استعدادهم لعقد اتفاق مماثل مع الحكومة وجرت الانتخابات في نزاهة, وما كادت النتائج تظهر وقد فاز جميع مرشحيها, حتى اعلنت الحكومة بكل فخر انها حصلت على اغلبية برلمانية كاسحة, وأنها باقية على مقاعدها, واعلنت انها سترشح عدلي يكن باشا رئيسا لمجلس النواب الجديد! وما كاد المجلس الجديد يعقد اول جلساته لانتخاب رئيسه حتى فوجئت الحكومة بـ (سعد زغلول) يتقدم لترشيح نفسه ضد (عدلي يكن) وذهلت حين اسفرت نتيجة الانتخاب عن فوز (سعد) برئاسة المجلس بأغلبية كاسحة, لم يكن لها معنى الا ان صدقي باشا قد شرب اكبر مقلب في حياته وأن النواب الوفديين قد خدعوه, ليحولوا بينه وبين تزوير الانتخابات ضدهم ولم يكن لها نتيجة, الا ان الحكومة لن تحوز على ثقة المجلس النيابي فاسرع يستصدر مرسوما ملكيا بحل المجلس الجديد, فضرب الدستور في مقتل اذ كان يحظر حل المجلس النيابي مرتين للسبب نفسه! منذ ذلك الحين كف (اسماعيل صدقي) عن استخدام ذكائه في مسألة تزوير الانتخابات ولجأ الى التزوير المباشر والعلني واليه يعود الفضل في ابتكار كل الاساليب التي شاعت بعد ذلك في تزوير الانتخابات, من التصويت بدلا من الموتى والمهاجرين, والغائبين الى حشو الصناديق قبل التصويت ببطاقات انتخابية لصالح المرشح المطلوب انجاحه, الى القاء الصندوق بما فيه في النهر واستبداله بآخر تصوت فيه الحكومة نيابة عن الناخبين! وكان هذا التلاعب في الانتخابات العامة هو الذي افقد المصريين والعرب, الثقة في جدوى النظام النيابي, وفي جدوى الديمقراطية ذاتها كأسلوب للحكم, وهو الذي مهد الارض امام الانقلابات العسكرية التي شهدها العالم العربي.. منذ الخمسينيات لكي تقوض النظم الديمقراطية الليبرالية ولكي تشن ضدها حملة تشهير واسعة النطاق لكي تنفر الجماهير منها, مما حد من حريتها في تزوير الانتخابات واضطرها للبحث عن وسائل اخرى للتحكم في نتائجها وعندما اجريت اول انتخابات عامة في مصر بعد اربع سنوات من ثورة 1952 رفض الرئيس جمال عبدالناصر, اللجوء الى اساليب التزوير قائلا ان لدى المصريين حساسية بالغة تجاه هذا الموضوع بالذات, وبعد تفكير قال: من الافضل لنا ان نبحث عن وسيلة تمنع اعداء الثورة من خوض الانتخابات, ثم نتركها حرة بعد ذلك.. وهكذا اصبح العزل السياسي, الوسيلة البديلة لتزوير الانتخابات في العهد الثوري, وبمقتضاه كان يتم حرمان الخصوم السياسيين من حقهم في التقدم للترشيح, لتدور الانتخابات العامة بنزاهة تامة بين المؤيدين باعتبار ان التزوير قد تم من المنبع. اما وقد الغي العزل السياسي واعيدت التعددية السياسية في عهد السادات, فقد كان طبيعيا ان يعود التزوير, لكي يضمن الحزب الحاكم لنفسه اغلبية برلمانية تكفل له البقاء في مقاعد الحكم.. ليفقد الناس على مدى هذه الحقب, اهتمامهم بالانتخابات العامة, ويتعاملوا معها باعتبارها استعراضات للترفيه, تعينهم على التغلب على الملل. في هذا السياق فإن اجراء اول انتخابات عامة تتسم بنسبة وافرة من النزاهة وتحت اشراف قضائي كامل, حدث مهم لابد وأن يحظى بما يستحقه من عناية وتحليل.. وأول ما يلفت النظر في وقائع انتخابات 2000 المصرية هو ان قرار نزاهتها لم يصدر عن السلطة التنفيذية او الحزب الحاكم, ولكن صدر بحكم المحكمة الدستورية العليا التي قضت بأن النص الدستوري الذي يقضي باشراف القضاء على الانتخابات لا يقتصر كما كانت الحكومة تفسره من قبل ـ على ان يرأس اللجنة العامة للانتخابات في كل محافظة قاض بل ان يتولى القضاة رئاسة وعضوية لجان الانتخابات الفرعية وأن يقوموا بفرز الاصوات واعلان النتائج.. ولابد ان كثيرين قد ادهشهم ان تنتهي الانتخابات النزيهة بالنتيجة نفسها التي انتهت اليها الانتخابات غير النزيهة صحيح ان اغلبية الحزب الحاكم في المجلس النيابي الجديد, قد تقلصت من 91% من المقاعد الى 80% فقط, ولكنه لا يزال مع ذلك يحوز اغلبية كاسحة بالقياس الى غيره من الاحزاب التي لا تحوز هي والمستقلين اكثر من 20 % من المقاعد, وبالتالي فإنها تظل مجرد هوامش صغيرة على المتن الذي يمثله الحزب الحاكم, كما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة, وبالتالي فلا فرق بين (احمد) و(الحاج احمد) وبين الاشراف القضائي والاشراف الاداري وبين (النزيهة) و(المعوجة)! والحقيقة ان هناك خيطا رفيعا ولكنه مهم, بين الانتخابات النزيهة والانتخابات الديمقراطية, فكل انتخابات ديمقراطية لابد وأن تكون نزيهة, لكن العكس ليس صحيحا فالنزاهة تفترض ان يصل صوت الناخب الى المرشح الذي اعطاه له, وليس الى اي مرشح سواه, اما الديمقراطية فتتطلب ان يتعامل الناخب مع ثلة من المرشحين ذوي الانتماءات السياسية المختلفة والواضحة له, وأن يختار فيما بينهم على اسس سياسية, وليس على اية اسس غيرها! لكن ذلك لا يتحقق في الواقع الا نادرا هذا اذا كان يتحقق اصلا فقد تعود الناس منذ نصف قرن الا يكون للمرشحين في الانتخابات العامة اي لون سياسي واذا وجد فهم لا يهتمون به وتعود معظمهم ان يكون المرشح المفضل لديهم هو الذي يحتفظ بصلة طيبة بالحكومة لأن ذلك هو الذي يمكنه من ان يتوسط لحل مشاكلهم الخاصة مع الجهات الرسمية, من الحصول على وظيفة للابن الى الحصول على مسكن للابنة, او يتوسط لحل مشاكل قريتهم من انشاء كوبري الى رصف طريق ومن فتح مدرسة الى تسيير اتوبيس, اما المرشح الذي يتحدث عن مشاكل الوطن بمجملها او يسعى لتغيير السياسات العامة, او يتصرف باعتباره نائبا عن الامة كلها وليس عن دائرة بذاتها فإنهم لم يتعودوا عليه, ولم يتصوروا يوما انه قد يكون مفيدا لهم. ومع ان مثل هذا النمط من الناخبين كان موجودا في العصر اللبيرالي المصري (1923 ـ 1952) الا انه لم يكن نمطا قاعديا, اذ كانت الاحزاب السياسية آنذاك احزابا فاعلة ونشطة ولكل منها توجه سياسي واضح, والاهم من ذلك ان تداول السلطة فيما بينها طبقا لما قد تسفر عنه نتيجة اي انتخابات عامة, كان ممكنا وواردا وبالتالي كان الناخب يعرف ان صوته, قد يحقق اغلبية برلمانية لهذا الحزب او ذاك, ولهذه السياسة او تلك. وفي ظل العهود الثورية التي انهت التعددية الحزبية ليتحول الجميع الى حزب واحد وتجرى الانتخابات العامة بين المؤيدين والمؤيدين, اختفى الطابع السياسي للمرشح, ليكون شخصه او بلده واحيانا دينه, هي المحكات التي يختاره الناخبون على اساسها.. اما والنظام الدستوري لا يقوم على تداول السلطة ولا يشترط ان تحصل الحكومة على ثقة مجلس النواب قبل ان تباشر مهامها فقد اختفى الطابع السياسي للمجلس النيابي ولم يعد ممثلا للامة او طرفا فاعلا في رسم سياسات الحكومة, او مؤسسة تمارس بالفعل دور الرقابة على السلطة التنفيذية.. ومن الافضال الاخرى للعهود الثورية على الديمقراطية, التي ينبغي ان تذكر فتشكر, انها هي التي اشاعت مفهوم (نواب الخدمات) بين الجماهير, اذ ربطت بين الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين وتنفق عليها من الميزانية العامة, وبين المرشحين الذين ينتمون اليها, ويخوضون الانتخابات العامة باسمها فلم تعد هذه الخدمات حقا لكل المواطنين يصل اليهم بلا طلب او مجهود بل اصبحت رهينة بوساطة او بطاقة او مكالمة من سيادة النائب وهو ما حول النواب الى وسطاء ما لبثوا ان استغلوا نفوذهم في عقد الصفقات وحصانتهم النيابية في ارتكاب الجنايات اما المهم في ذلك فإن فكرة النيابة عن الامة قد ضربت في الصميم. وانطلاقا من ذلك كله كان طبيعيا ان يفوز الحزب الحاكم في مصر بالاغلبية فهو الذي يحتكر السلطة منذ اكثر من عشرين عاما, والمرشحون المنتمون اليه سواء كان هو الذي رشحهم او كانوا قد رشحوا انفسهم رغما عن قيادته هم الذين يحتكرون تقديم الخدمات للمواطنين, ولا احد في هيئة الناخبين يعرف شيئا عن الاحزاب الاخرى, فهي محاصرة في مقارها لا يحق لها ان تعقد اجتماعا عاما في ميدان عام, ولا يحق لها ان توزع بيانا في الطريق العام, ولا يجوز لها ان تنشط في التجمعات الجماهيرية الطبيعية كالجامعات والمدارس والمصانع, ولا يجوز لقادتها ان يظهروا على شاشة التلفزيون الا اربعين دقيقة في موسم الانتخابات العامة كل خمس سنوات. على ضوء ذلك يمكن الجزم بأن انتخابات 2000 المصرية, كانت تتسم بدرجة معقولة من النزاهة ولكنها لا تزال انتخابات غير ديمقراطية وفي ضوئه يمكن فهم ظاهرة تواضع النتائج التي حققتها الاحزاب الشرعية ويمكن فهم ظاهرة فوز الاخوان المسلمين بـ 17 مقعدا في هذه الانتخابات وهي الظاهرة التي لفتت نظر المراقبين. وقبل ان يتسرع احد بالاستنتاج, فلابد ان يتنبه الجميع الى حقيقة ان الاخوان المسلمين خاضوا الانتخابات العامة بمرشحين ينتمون الى الصفين الثاني والثالث منهم, ممن لا يعرفون للناس بهذه الصفة, ولم يستخدم احد منهم في دعايته شعارات اخوانية صريحة ولكنهم كمعظم مرشحي الاحزاب الاخرى.. طرحوا شعارات خدمية, واعتمدوا على الروابط الاسرية والجهوية, وعلى شخصية المرشحين وليس على لونهم السياسي وبالتالي فإن الذين فازوا منهم في الانتخابات على الرغم مما وضع في طريقهم من عقبات, لم يفوزوا بصفتهم السياسية ولكن بصفتهم الشخصية, ولا يجوز لاحد ان يبني على هذا الفوز اية نتائج تتعلق باتجاهات الرأي العام المصري السياسية, لأن الانتخابات بمجملها لم تدر حول السياسة. لكن ذلك لا ينفي ان استمرار افتقاد الانتخابات العامة المصرية للطابع السياسي, يمكن ان يتيح للاخوان او لغيرهم فرصة للفوز بالأغلبية في حالة وجدت درجة اوفر من نزاهة العملية الانتخابية اذ القاعدة المؤكدة ان تراجع العوامل السياسية في الانتخابات يؤدي الى تقدم عوامل اخرى مثل الانتماء القبلي او الجهوي او الديني, وهو ما يهيىء للاخوان فرصة للتقدم في كل انتخابات مقبلة, ما لم يدرك المعنيون بالامر ان نزاهة الانتخابات وحدها يمكن ان تكون كارثة, ما لم تقترن بالديمقراطية.. اي باطلاق حرية المنافسة السياسية على اوسع مدى ليتاح للناخبين ان يختاروا بين المرشحين على اسس سياسية واضحة ومعروفة.. وصحيح ان النزاهة وحدها لا تكفي.. ولكن من الصحيح كذلك ان الطريق الذي طوله ألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.