نجحت الانتفاضة الفلسطينية في ايامها وأسابيعها الاولى ان تحرك الشارع العربي, كما بدا واضحا في تظاهراته واشكال تضامنه. وكما في الانتفاضة, احتل جيل الشباب الموقع المتقدم في حركة الشارع العربي. وهو الجيل الذي لم يكن تبدو عليه مظاهر الاهتمام بالقضايا الوطنية والقومية, بل كان مظهره وسلوكه العام يوحي بأنه مستغرق او مغرق باهتمامات تتعلق بالمظاهر السطحية للحياة من مأكل وملبس, وبثقافة لا صلة لها بتراثه الفكري وتاريخه القومي, بل هي ثقافة تنتمي لمجتمعات غير مجتمعه, وتحمل في طياتها مظاهر كثيرة من مظاهر الافساد التي تعج بها المجتمعات الغربية. وبالانشداد الفوري للانتفاضة, وقضيتها, اثبتت هذا الجيل العربي الشاب ان انصرافه لمظاهر اللهو لم يكمن نابعا من ارادة ذاتية, وانما كان صرفا متعمدا لعبت فيه بعض اجهزة الاعلام وكذا قنوات الاعلام الغربية, والثقافة السطحية المتدفقة عبرها بما تحمله من مغريات المجتمع الاستهلاكي, الدور الاساسي, ساعدها في مهمتها غياب قضية كفاحية تستقطب اهتمام الاجيال الشابة وتحفزها. وحين جاءت هذه القضية ممثلة بالانتفاضة الفلسطينية منحت الجيل العربي الشاب فرصة القدوة التي يتمثلها, والتي يستعيد من خلالها دوره الطبيعي, وأزاحت كل الضباب والزيف والغشاوة التي ازاغت عيونه. وقد انعشت هذه الصحوة الآمال بعودة الروح لهذه الامة, كما عززت الآمال باستعادة قضية فلسطين مكانتها القومية ومنحت الشعب العربي الفلسطيني المزيد من القوة المعنوية التي مكنته من مواصلة كفاحه وتصعيده مؤملا ان يسهم ذلك في تطوير حركة الشارع العربي وزيادة فعاليته. لكن الملفت للنظر ان هذا الرهان لم يتحقق وطغى على حركة الجماهير العربية نوع من التراجع. لم يكن الموقف الرسمي وحده هو السبب في تراجع الموقف الشعبي العربي, بل شكل غياب الحركة السياسية العربية الشعبية, وضعف احزابها ومنظماتها الجماهيرية والنقابية, وتحول معظمها الى مؤسسات وأدوات في الجهاز الرسمي العربي, وعجزها عن التقاط حركة الشارع وتعبئتها وتنظيمها وقيادتها, عاملا مهما في هبوط مستوى التحرك الشعبي, وعدم ترجمة هذا التحرك الى برامج فعلية لدعم الانتفاضة اولا ولاعادة بناء حركة سياسية عربية فاعلة. ويمكن الاستدلال على ضعف الحركة الشعبية المنظمة بأكثر من مؤشر. فحركة مقاطعة البضائع الامريكية التي رفعت في الشارع العربي جاءت حركة عفوية, وبمبادرات شعبية فردية وليست وليدة خطة منظمة دعت اليها القوى والاحزاب العربية, ووحدت موقفها حولها, وأنشأت لها آلياتها التي تمكنها من اخذ مداها الفاعل والمؤثر. ويؤكد ذلك ما تشير اليه المعلومات من ان دعوة المقاطعة اخذت مداها الواقع في معظم البلدان العربية. ومن بين القوى التي يبدو عجزها وصمتها صارخا موقف الحركة العمالية العربية الغائبة تماما, فلم نلحظ مقاطعة باخرة او طائرة امريكية واحدة او الامتناع او حتى الاعتصام عن العمل ليوم واحد في اي من الشركات الامريكية العاملة في وطننا العربي. ولا نظن ان هذا الموقف مصدره نقص في وطنية عمالنا العرب المكافحين, ولكنه العجز في قياداتهم النقابية التي استمرأت نعمة السلطة. ومتسلحا بالعزيمة التي يمنحها الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في شهر الصيام المبارك أتجرأ على الاشارة لمؤسساتنا الدينية, والتساؤل لماذا يغيب موقفها ودورها في ايام الجهاد الحاسمة. فما صدر حتى الآن من مواقف عن بعض رجالاتها في مصر وفلسطين ولبنان وقطر بالافتاء بمقاطعة البضائع الامريكية لا يكفي. فالمسألة ليست مسألة فتوى, ولا هي مسألة فقهية مختلف عليها. ان الامر يتعلق بمصير شعب ووطن ومقدسات وذلك يستحق الدعوة الدائمة للجهاد بالمال والانفس, والحض عليه, كعمل من اعمال التقرب الى الله وابتغاء مرضاته. ومن المفارقات الملفتة للنظر في ظل هذا الواقع العربي الذي يتجاوز فيه القصور الرسمي العربي بكثير قصور الموقف الشعبي صدور دعوات عن بعض المثقفين والسياسيين العرب تطالب بادامة الانتفاضة وتطويرها, ويذهب بعضها الى توجيه الانتقادات لبعض سلبيات الانتفاضة وقيادتها, والوسائل المتبعة فيها. هذه الدعوات يتقبلها شعبنا بروح عالية من الرضا لانها تنسجم مع رغبته وارادته, فهو مصمم على مواصلة العملية الكفاحية, ويدرك دوره ومسئولياته في المعركة التي لا تخصه وحده, وإن كان ظل وحده طويلا يشكل طليعتها ويخوضها بالنيابة عن امته. وحتى الانتقادات يتقبلها ايضا انطلاقا من رغبته في تطوير معركته وتطهيرها من كل الشوائب والسلبيات التي قد تعوقها, وإن كانت هذه السلبيات هي نتاج واقعه العربي. فهو ابن هذه الامة. ابن تركيبتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية, وما فيه هو جزء مما فيها ونتيجة له, لكنه يحاول التطهر ويطمح ان يشفع له في ذلك دم اطفاله الابرياء. لكن ما يجب ان يعيه اشقاؤنا العرب ــ وفي ذلك اختبار لمدى ايمانهم والتزامهم بعروبة القضية الفلسطينية ــ هو ان الانتفاضة, بل معركة التحرر والاستقلال العربي الفلسطيني تحتاج لاستمرارها وديمومتها اكثر من قوة الدفع الذاتي, وتتطلب قوى وامكانيات تعادل قوة العدو الصهيوني وما يتلقاه من دعم امريكي, ولا نقول هذا تبريرا استباقيا لأي تراخ او تردد او ضعف قد يطال بعض المواقف او قد يؤدي الى تعثر في مسيرة الانتفاضة. وإنما لقطع الطريق على اي مؤثرات داخلية قد تسعى الى ذلك. فادامة الانتفاضة تتطلب توفير مقومات الصمود لها داخليا وخارجيا, فلسطينيا وعربيا. والصمود الداخلي ابعد من قدرة الروح الفلسطينية على الاستشهاد والجسد الفلسطيني على نزف الدماء. انه يتعلق بالامور الحياتية اليومية للشعب الفلسطيني. فالمتابع للمشهد الفلسطيني من الخارج قد لا يرى غير صور الشهداء والجرحى والدمار واقتلاع الاشجار. ولكنه لا يرى وربما لا يعرف اشكال المعاناة الاخرى, من كسرة الخبز الى جرعة الماء الى ومضة الضوء. فكلها يسيطر عليها الاحتلال او تأتي من خلاله, وبيده منعها او قطعها وقتما يشاء. هذا فضلا عن اجر العامل وراتب الموظف الذي لم يعد في المقدور الحصول عليه, بينما مسئولو المال العرب ما زالوا يتناقشون من اين وكيف يدعمون الشعب الفلسطيني. ان الموقف العربي الشعبي والرسمي يوضع الآن على المحك. وبيده الكثير من اوراق صمود الشعب الفلسطيني وتعزيز كفاحه. بل هو الآن امام امتحان صارم يتعلق بمدى ايمانه والتزامه بأن قضية فلسطين قضية عربية. وأما نحن فليس لنا خيار غير ان نصمد لأن ذلك قدرنا.