ذات يوم كنا ثلاثة وكان صوت المذياع يصدح بأغنية مما يسمى بالأغاني الوطنية, وكانت الكلمات جميلة تلامس القلب, ومن كل الأغنية مازلت أتذكر بيتا يقول: ترابكِ طهرُ مَن صلَّى وماؤكِ من دمي أغلى يومها علق أحد الحاضرين: (كلام رومانسيات وأغاني للاستهلاك الشعبي)! وقالت الثانية: (الوطن هو حيث أكون في خير, فما فائدة وطن أعيش فيه معدمة فقيرة)! وقد حفظت كلمات الأغنية زمنا ثم نسيتها بفعل عوامل النحت التي عاثت في الذاكرة, لكنني أتذكر تماما و(هما) مازالا يتذكران انني علقت على كلامهما بحدة وغضب, وكان مما قلت: (وطني سواء أكان على حق أم على خطأ فإنه يبقى وطني). اليوم وأنا أستعيد الموقف الذي مر عليه الزمن, وأسترجع مشاهد من مسرحية الفنان السوري دريد لحام (كاسك يا وطن) بينما تهب علينا نسمات اليوم السادس من رمضان عابقة بأنفاس الصائمين والعابدين, وممتلئة برائحة الوطن, رائحة الوطن الذي تشكل مولودا جميلا بملامحه الطاهرة التي انغرست في قلوبنا واختبأت في جيوب العمر حتى ما بعد نهاية العمر, فكل عام وأنتم بخير, وصباح الحب أيها الوطن الغالي. في كأس العمر, نذيب العمر في الوطن ونخبئ الوطن في القلب والذاكرة ونظل نشربه, عمرا مضى, وحاضرا, وهذا المؤتلق على امتداد المدى نشربه سماء وأرضا وبحرا وجبالا وسهولا نشرب الآتي في عيون أطفاله, نشرب قصائد شعرائه, وحكايات العشاق فيه, نشرب رائحة الأرض ورائحة النخيل واللوز وننجدل فيه حنينا لا يتوقف ولا ينتهي. ولاننا ولدنا مع ولادته فقد أحببناه صديقا في بهجة العمر البريء وكأنه كان يجري معنا على رمال البحر البيضاء, كأنه كان ضمن الأصداف التي كنا نجمعها ونخبئها كنزا في صندوق العمر المليء بالأسرار والنجوم واللعب وحكايات (الفريج) النائم بهدوء ممتلئا وراضيا بفقر فقرائه ونزق أغنيائه وضجيج أطفاله, وصوت الموج الضارب في ظهور المنازل الغافية بأمان جميل ناعم كرذاذ المطر, إنه أمان الوطن الذي لا يكون إلا حيث يكون الوطن. وهكذا بقي الوطن صديقنا الحميم الذي لعب معنا على (سيف) البحر, في (الفرجان) القديمة, وفي (السكيك) الضيقة, حيث كانت حارات اللهو الأولى التي منها خرجنا, وكبرنا وكبر الوطن الصديق معنا, ولاننا تشاغلنا عنه أحيانا فقد حاول بعض الغرباء ايذاءه, فنصرخ في وجوههم: هذا صديقنا هذا وطننا لا تؤذوه, ولا تؤذونا, وأحيانا كان الأذى يأتيه على يد بعض أبنائه وأصحابه, وكنا نحن أصدقاءه الأوفياء نصرخ فيهم بقوة: حرام عليكم, ان العصفور لا يلوث عشه, فكيف تصفعون وطنكم بسهولة, وكيف ترهنونه في السوبر ماركت من أجل تفاهات لا معنى لها؟! هذا الوطن غالٍ وعزيز وصديق ورحيم كحضن الوالدة, ونحن كما قال الحكيم (أفلاطون) لم نولد من أجل أنفسنا, بل من أجل وطننا, هذا الوطن بحاجة لنا كحاجتنا إليه, هذا الوطن لا يريدنا أن نقف تحت قطعة قماش نحييها باسمه صباحا, ثم نمزق قلبه لأجل مصالحنا في المساء.. هذا الوطن يحتاج أن نحبه, ونحتاج نحن لأن نضعه في قاع الشريان وأن نتدفق به حبا وعملا وإنسانية. صباح الخير أيها الصديق الغافي في الشرايين منذ ما قبل الولادة.