من الواضح أن التخطيط في أوساط (الشاباك) لاغتيال المهندس ــ يحيى عياش, قائم ومتواصل, حسب الكتاب, إبان فترة رئاسة اسحق رابين للحكومة الإسرائيلية, وخلافاً لما يذكره جيلون من أن رابين كان يتساءل في كل لقاء عن مدى تقدم خطوات تصفية هذا القائد العسكري الذي أقض مضاجعهم وكان يكتفي بالتساؤل من دون ضجر ودون تحميل أحد مسئولية التقصير, فإن المقالات الإسرائيلية المنشورة من كبار الكتاب والمعلقين القريبين من دوائر صناعة القرار, قد ذكروا في حينه أن رابين كان يفتتح اللقاءات الأمنية بسؤال قاس: ماذا حصل للمهندس؟ وكان يستشيط غضباً حين يبلغونه أنه لم يحدث أي تقدم فعلي في خطوات القاء القبض عليه أو إغتياله, نظراً لحذره الشديد وذكائه غير العادي في التخلص من كل المآزق. والمطاردة لم تكن مقتصرة على (الشاباك) وهو الذي تولى أمور متابعة النشاطات الفلسطينية بعد أوسلو, بشكل رئيسي حين تقلصت مسئولية (الموساد), بل أن كافة الأجهزة الأمنية, بما في ذلك الاستخبارات العسكرية بالطبع (أمان), كانوا يتابعون المعلومات المتعلقة بالمهندس يحيى عياش, واستغراق فترة المتابعة من دولة تتباهى بقدراتها الأمنية أكثر من أربع سنوات, يدل على عدم حقيقة هذه (الهالة الأسطورية) حول قوة أجهزتهم كما ذكرت في تعليقات سابقة, ويدل على عدم وجود اختراقات لهم في أوساط (حماس) إلا في حدود ضيقة جداً كما يبدو, ويدل أيضاً على أن السلطة الفلسطينية, حسبما هو منشور في هذا الكتاب ومؤلفه رئيس جهاز الأمن العام, لم تتعاون معهم بخصوص يحيى عياش. كانوا هم الذين يقدمون المعلومات للأجهزة الفلسطينية حول مكان وجوده, وكانت السلطة تدعي عدم معرفتها بكل هذه المعلومات, وهو محل شك كبير إذ أن كافة قادة حماس وعناصرها وتحركاتها معروفة للسلطة حيث كانت فتح وحماس تعملان معا ً ضد الاحتلال وفي عصر الانتفاضة, وذلك ينفي الاتهامات المجانية التي تبرع بها كثيرون في زعم ظالم بأن أجهزة السلطة الوطنية ضالعة في تمهيد الطريق لاغتيال عياش. لو كان لدى كارمي جيلون أية معلومات بهذا الصدد لما تردد في نشرها, خاصة بعد أن خرج من الخدمة العسكرية وهو ليس متعاطفاً مع قادة السلطة والمنظمة, بل يقول صراحة إنه من المستحيل أن يسلم عرفات أي مطلوب لإسرائيل, وإن النص الوارد في الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي حول هذا المطلب لا يعدو أن يكون للضرورات السياسية الإسرائيلية لأرضاء الشارع الإسرائيلي ولا شيء آخر. إن القادة الإسرائيليين يعرفون هذه الحقيقة, وقد تعايشوا معها طويلاً منذ أوسلو وحتى اليوم, وتقوم السلطة بمحاكمة سريعة لأي مطلوب في محاكم أمن الدولة الفلسطينية خشية الاضطرار لتسليمه حسب نصوص الاتفاق. جاء شمعون بيريز للسلطة بعد اغتيال رابين وكان ينوي الذهاب لانتخابات مبكرة منذ استلامه زمام الحكم, حيث كان متفوقاً على بنيامين نتانياهو في استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي بأكثر من خمس عشرة نقطة, وكان يجب أن يمتلك نظرة استشرافية ترى أن اغتيال المهندس عياش سيفتح الباب لانتقام واسع من حماس وسيؤدي لسقوط رؤوس الإسرائيليين في شوارع المدن الإسرائيلية بما سيعني سقوطه في الانتخابات المبكرة التي دعا لها. لقد تغلبت الحسابات الصغيرة, حتى لدى رجل يزعم أنه ذو أفق استراتيجي جعله يحلم بشرق أوسط جديد, وفضل بيريز أن يثبت قدرة على محاربة (حماس) بأكثر مما فعل المتشددون, كما فضل أن يقوم (الشاباك) بعملية كبرى تعيد له الهيبة والاحترام في أعين الإسرائيليين والتي فقدها بعد اغتيال اسحق رابين حيث التقصير الاستخباراتي واضح كل الوضوح, ولهذا تبنى الاسراع في خطة اغتيال عياش وتابع التفاصيل بنفسه وكان ذلك مقتله. قامت حماس بعد ذلك بعملياتها الكبرى في شوراع القدس وعسقلان وتل أبيت أوائل عام ,1996 وقالت أن هذه العمليات انتقام لاغتيال الشهيد يحيى عياش. قد تكون لحماس ولبعض الأطراف الأقليمية حسابات أخرى لاسقاط بيريز في الانتخابات المبكرة التي جرت في مايو من ذلك العام, ولكن اغتيال عياش ألهب المشاعر ودفع بالمخططين في حماس للاسراع في الانتقام, حتى لا يفقدوا ثقة جمهورهم الذي لم يكن مستعداً لأن يغفر لهم أي تقاعس في الانتقام, والانتقام السريع. ليس صحيحاً ما يقوله كارمي جيلون بأن لا علاقة بين عمليات حماس في تلك الفترة وبين اغتيال يحيى عياش بل هناك علاقة وثيقة جداً. كنت في غزة بعد اغتيال عياش بأيام وسمعت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يقول إن بيريز ارتكب خطأ قاتلاً, لم تكن عمليات القدس وتل أبيب وعسقلان قد انطلقت, ولكن أي عارف بطبيعة العمل في الساحة الفلسطينية, كان يستطيع التكهن بسهولة بحتمية الانتقام, ولهذا لم يمانع عرفات في تلك الفترة بقيام الصحف الفلسطينية بنشر الآف التعازي وبقيام حماس بتنظيم المهرجانات الشعبية الهائلة في الذكرى الأربعين لاغتيال عياش, ولم يمانع في قيام خطباء المساجد بكل ما قاموا به, على الرغم من أن ذلك كان سيقوي من شوكة حماس, ولكنه لا يملك إلا أن يراعي التيار الجماهيري الغاضب. واغتيال عياش لم يوقف حركة حماس, بل إن عمليات كبرى ذات طبيعة نوعية متميزة, غير مسبوقة, نفذتها حركة حماس بعد اغتيال يحيى عياش في الميادين الرئيسية في المدن سابقة الذكر, ومن دون أن تكون هناك بصمات للمهندس على تلك العمليات. وبعد عياش تحدثت إسرائيل عن محمد ضيف ومحمود أبو هنود, والقائمة ستطول ما لم يقتنع صانعو القرار في تل أبيب, بأنه لا توجد حلول أمنية لتطلعات شعب من اجل الحصول على استقلاله, توجد حلول سياسية فقط. مطاردة المهندس منذ أن توليت منصب رئيس الشاباك رافقتني عادة معينة لشهور طويلة وهي أن أخلد للنوم مع يحيى عياش وأصحو معه في الصباح. ويحيى عياش الملقب بالمهندس من مواليد عام 1966و من سكان قرية رفات في منطقة قلقيلية, درس الهندسة في جامعة بير زيت, وهو الذي كان له سبق إدخال العمليات الانتحارية (الاستشهادية) إلى الساحة بدرجة مكثفة وعلى مستوى عال من التقنية, وهذا هو السبب الذي جعل منه بطلاً قومياً للفلسطينيين, والذي ترك بصماته وآثاره على أنه أكبر المقاتلين ضد إسرائيل. وقد تم الاعلان عن عياش مطلوباً في ابريل عام 1991 وبعد ذلك بأربعة أعوام وبعد مقتله كان مسئولاً مباشراً عن مقتل اربعة وخمسين إسرائيلياً وجرح اربعمئة وثلاثين آخرين. أما الاعتداء الكبير الأول الذي خطط له عياش فقد كان في صبيحة أحد أيام السبت من نوفمبر عام 1992 عندما تم العثور على سيارة مفخخة قام باعدادها هو بنفسه في ضاحية بالقرب من تل أبيب, ولحسن الحظ لم تنفجر, لكن يحيى حظي على أثر ذلك بلقب المهندس لأول مرة, وتحول للمطلوب رقم 1 لكل من جيش الدفاع والشاباك. فقد كانت صورته تحتل موقع الصدارة في كراس المطلوبين الذي يتم توزيعه على كل جندي احتياط. وعياش كان متورطاً في عدد من العمليات لكن نجاحه الأول والأكبر كان في العملية الانتحارية (الاستشهادية) التي فجرت الباص رقم 5 بشارع ديزنجوف بتل أبيب في أكتوبر عام ,1994 هذه الاعتداءات القاسية جعلتني أكون نظرة شخصية عميقة لمن يقف وراءها, لا أستطيع القول بأنني كرهته ولا اذكر بأنني فعلت ذلك يوماً ما تجاه شخص بسبب الخصومة المهنية. لكن قناعة أكيدة ترسخت عندي ومفادها أنه إذا لم يتم القضاء على عياش فإن عدداً آخر من الإسرائيليين سيقتلون, وكل يوم يعيشه المهندس يعني ازدياد العمليات العسكرية, خاصة وأن الرجل كان يتمتع بقدرة عجيبة على البقاء. وخلال الفترة التي كان مطلوباً فيها والتي امتدت لثلاثة أعوام ونصف العام, كان بعض الأشخاص من الموساد معنيين به وقد وصلوا حد التعرف عليه بشكل سري وعاشوا أعماق روحه فعلاً. وانه كلما تعاظم الطوق والحصار من حوله كانت هناك مجموعة كاملة من الاشخاص في الشاباك لا همّ لهم سوى العمل على موضوع المهندس. أما الجهاز فقد كانت العملية معقدة جداً بالنسبة له. وكان هناك تنسيق متكامل بين ألوية الجنوب والضفة والقطاع وأقسام العمليات والاستخبارات والتكنولوجيا وقسم الشئون العربية من جهة وبين الجيش من جهة أخرى. أما عملية إتخاذ القرار تجاه عملية بهذا الحجم فقد كانت مناطة بمسئول الشاباك, وبالفعل فقد قررت إدارة هذه العملية شخصياً عند استلامي مسئولية الجهاز في مارس ,1995 فكان لهذا القرار قيمة مؤثرة على أسلوب العمل داخل الجهاز, وكنت قد استخلصت من قضية التنظيم اليهودي عبرة من خلال تركيز الصلاحيات المطلوبة في طاقم العمل ومشاركة جميع العناصر ذات العلاقة بالأمر الذي أدى إلى اختصار إجراءات العمل وحال دون التعقيد في عملية التنسيق. قمت بتشكيل هيئة تجتمع كل اسبوع لجميع الذين لهم صلة بالعملية, وهنا أود أن أذكر أن مثل هذا الاجراء ممكن اتخاذه في حالات نادرة وخاصة, أما بشكل عام فانه من غير الممكن لدى جهات كبيرة وكثيرة المهمات كما يكون من الصعب إدارة الأمور اليومية. عدا عن ذلك فإن اتباع هذا الأسلوب ليس مفضلاً إلا في حالات نادرة لأنه يحبط ويلغي صلاحية المستويات الميدانية التي تتحمل المسئولية اليومية لكل ما يجري في مجالاتهم. لعبة التحرك والاختباء في مايو أو يونيو من عام ,1995 إنتقل عياش إلى غزة واستمر في العمل وتفعيل مجموعات من الضفة لتنفيذ عمليات خطرة, وقد شكل هذا الانتقال صعوبة لنا كما قلص من قدرة الشاباك على العمل لأن غزة لم تعد تحت سيطرتنا وانما هي بيد السلطة الفلسطينية, ولهذا السبب بدأنا التحرك بخطوة موازية مع كثير من الخيال والجهد واقمنا تعاوناً مع الفلسطينيين في مجال المعلومات المتوفرة لدينا من أن عياش موجود في غزة, لكنني لم اعتقد للحظة واحدة بأن عرفات سوف يسلم عياش أو مطلوبين آخرين الينا. وهذا البند الوارد في الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي هو بند سياسي في نظري لا يمكن تطبيقه من الناحية الميدانية الفعلية. كما أنني اؤمن بأن الموقعين على الاتفاق في حينه كانوا يعرفون بأن هذا البند هو لمجرد الضروريات السياسية, ولارضاء الجمهور الإسرائيلي ليس أكثر. وأن كل من يعتقد بأن عرفات سوف يسلم المقاتلين من أجل الحرية لإسرائيل يرتكب خطأ فادحاً, لكن همي الأول كان يرتكز على وقف عياش لعملياته, فهو العدو الأول والأخطر في تاريخ (الإرهاب المضاد) لإسرائيل. ولم يكن يهمني إذا ما اعتقله عرفات أو نفاه إلى ليبيا أو ميامي, المهم عندي إلاَّ يمسَّ هذا الرجل المتفجرات أو يخطط لاعتداءات أخرى, وكان هذا هو الدافع الذي حدا بنا إلى نقل معلومات لعرفات بما في ذلك المكان الذي نعتقد بوجود عياش فيه. حاولنا نسج شبكة استخبارية على أمل الإيقاع بعياش, وهذا الأمر يحتاج إلى زمن طويل, خاصة إذا كانت المنطقة خارج سيطرتنا وعياش الذي انتقل إلى غزة عام 1995 وتم قتله عام 1996 كان مختبئاً طيلة الوقت وسط حوالي مليون فلسطيني كان معظمهم فرحاً بتقديم العون له, وقد أفادته السنوات التي عاش فيها في الضفة كمطلوب إذ تمكن من اتقان لعبة التحرك والاختفاء, وكان حذراً جداً في استخدام الهاتف والتعامل مع المحيطين به, لذا كان من الصعب علينا الحصول على صورة استخبارية كاملة عنه, لكن كان هناك شيء واحد علمناه جيداً عنه, وهو أنه كان مرتبطاً بشكل وثيق بأمه, (أما والده فقد كان عاملاً داخل الخط الأخضر). واعتقلنا والدته للتحقيق معها لكنها لم تفدنا بمعلومات ذات قيمة وتبين أنها لا تعرف الكثير, فقد كان عياش ذكياً بما فيه الكفاية ليدرك أن والدته تشكل نقطة ضعفه, وكنت طوال الزمن الذي نعمل فيه من أجل اعتقال عياش أجعل من نفسي نموذجاً وأسألها: ما هي نقطة ضعفي؟ فكان جوابي الفوري والقاطع: زوجتي وبناتي الثلاث وسوف افعل ما بوسعي لرؤيتهن, وإذا كن في الضفة وأنا في غزة فسوف أتعلم كيفية العيش مع الحنين والشوق فالغاية تبرر الوسيلة, أما إذا كن قريبات مني فلن أتمالك نفسي من رؤيتهن. والأمر بالنسبة لعياش كذلك فعائلته تسكن في بيت لاهيا بغزة, وفي حمى حماس. وقد قلت لرابين مرة بأنه إذا كتب كتاباً عن البالماخ حول النضال الفلسطيني فانه سوف يكرس عشر صفحات على الأقل عن يحيى عياش, فقد تحول عياش إلى اسطورة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين وفي صفوف الشاباك أيضاً. فقد كان اسمه على كل لسان, وكل ما يقع من حوادث تتم نسبتها إليه, وكما ذكرت سابقاً فان رابين كان يسألني عنه كلما التقاني, فعياش كان موضوعاً لا يسقط من دائرة الجدل اليومي القومي والأمني. ولم يكن عياش مجرد مقاتل ولا مجرد خبير في إعداد العبوات الناسفة فهو انسان ذكي جداً ويتمتع بحاسة حادة ايضاً ويفهم جيدا كل ما يتعلق بالاستخبارات. فقد كان حذراً للغاية ازاء كل ما يتعلق بالاتصال مع الآخرين, فعلى سبيل المثال كان تلميذه ومبعوثه في الضفة (عبد الناصر عيسى) يتلقى تعليماته عن طريق سلسلة من المبعوثين بحيث يكون الأمر التنفيذي عند الأخير فقط, ومن دون أن يعرف الواحد منهم الآخر, كنا على علم بصعوبة الوصول إليه بالطرق العادية ولكننا كنا واثقين من أنه لن يبقى طوال حياته هارباً إذ سوف يضنيه الإرهاق في نهاية المطاف وينهار, وأن المسألة مسألة وقت فقط. عندما أفلت المهندس وقد حاولنا اعتراضه مراراً في القطاع لكن دون جدوى, وكدنا نمسك به ذات مرة لكنه أفلت من بين أيدينا تقريباً بحكم حاسته السادسة التي أنقذته من الوقوع في الفخ. كان شهر ديسمبر عام 1995 ــ وكان اغتيال رابين قد تم في الشهر الذي قبله, لجنة شمغار تعمل وفي الجانب الآخر يواصل الجهاز مهماته المتعددة وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والاعتناء باتفاقات أوسلو. كانت المعنويات هابطة والأسى والشعور بالإخفاق هو السائد, ووسائل الإعلام تعرض جهاز الشاباك كمجموعة من الأشخاص المقصرين (الأمر الذي نجم عنه اجحاف فظيع ازاء كثيرين لم تكن لهم أية علاقة بمقتل رابين بل هم على الرغم من كل هذا الجو العقيم بذلوا كل طاقتهم في مجالات عملهم الشاقة). خلال ذلك الشهر انعقد في القاهرة لقاء بين عرفات وحماس برعاية مصرية في محاولة للتوصل إلى صيغة توفيقية تقلل من الضغط الواقع على حماس في الضفة وغزة سواء من جانب إسرائيل أو عرفات, لكن قيادة حماس في الخارج التي يوجد معظمها في عمان أحبطت التسوية, ففشلت الجهود الرامية إلى الوصول إلى حل وسط. من جهة أخرى فقد عملنا خلال شهر نوفمبر على موضوع المهندس بشكل جنوني وعلى مدار الساعة, كما بدأنا الاجتماع لمرتين في الأسبوع لمناقشة اجراءات اعتقاله. وفي يوم الجمعة الخامس من يناير 1996 كان ينبغي علي الوصول إلى مكتب وزارة الدفاع في التاسعة صباحاً للمشاركة في النقاش المتعلق بالافراج عن سجناء أمنيين لدى رئيس الحكومة ووزير الدفاع, وعندما وصلت كان بيريز يناقش رئيس الاركان وضباط الجيش الكبار, فطلبت خروج السكرتير العسكري داني ياتوم لابلغه بوقوع انفجار في بيت لاهيا, ويبدو بأن المصاب هو يحيى عياش. وعلى الفور توقف النقاش, واذكر أنني في مرة سابقة عندما التقيت بيريز بصفته القائم باعمال رئيس الحكومة لاطلعه على موضوع متابعة عياش فوجئت بأنه على علم بكل التفاصيل وتبين لي بأن رابين كان يطلعه على الموضوع طوال السنوات الماضية. وفي غرفة الاجتماع التي ضمت إلى جانب بيريز أمنون ليبكين شاحاك رئيس الاركان, ونائبه ماتان فلنائي ومسئول جهاز الاستخبارات العسكرية يعلون وعددا من الضباط الكبار, خيم التوتر الفظيع كما مضت ساعة طويلة من تمزق الأعصاب, حتى بدأنا نتلقى الاشارات حول ما حدث في بيت لاهيا حيث مكان وجود المهندس وكانت المعلومات تتكثف كلما مر الوقت لتشير إلى اصابة شخص ما هناك ولكننا لم نكن نعلم إذا ما كان قد مات أو اصيب بجراح فقط, واستمر الوضع على هذا النحو حتى الظهر حيث تلقينا تأكيدات إيجابية بمقتل المهندس. وعندها شعرت بالارتياح. وعلى أثر العملية نشبت خلافات حادة على أساس الإدعاء بأن الشاباك هو الذي قتله استناداً إلى الوعي الكامن في هذه العملية, وكما هو معروف فقد أعلنت حماس عن القيام بعمليات انتقامية, وبالفعل فقد نفذت سلسلة من العمليات الكبيرة والضخمة التي كانت تعلن بعد كل منها أنها انتقامية ولو كان عياش على قيد الحياة لما وقعت هذه العمليات. وبعد مقتل عياش بيوم, أي في ليلة الأحد السادس من ديسمبر 1996 وانقضاء شهرين على اغتيال رابين, ابلغت زوجتي ومدير مكتبي بأنني سوف أطلب صبيحة اليوم التالي تنفيذ استقالتي من منصبي, وهكذا كان.