يأبى رمضان بوصفه شهر الجود والكرم ان يبخل علينا بتجديد عوائده وهداياه, بل يندر ان يكرر زيه الشعبي وان بقي مضمونه وجوهره ثابتا. فكل عام يهل رمضان محملا بذخيرة لا حصر لها من الطقوس الشعبية الرمضانية, التي تفرض حضوره حتى على غير الصائمين ممن شهدوا حضوره, بداية من موائده العامرة, ولياليه الساهرة, والتي تتجدد اشكالها على مر السنين. على ان أثمن وأخلد ما يوصف به شهر الصيام هو قدرته الاستثنائية على توحيد المسلمين, رغم تباعد اقطارهم وترامي المسافات الفاصلة بينهم, وتباين لغاتهم وجنسياتهم, فالجميع يذعنون برضا وقناعة ويتسارعون لصيام ايامه وقيام لياليه, كونه ركنا مهما من اركان الاسلام. ومع رمضان, تختلط العوائد والطقوس الشعبية, وتحجب رغم جمالها وثرائها المغزى والهدف من صوم الشهر, وتحرمنا من ثمرته الموعودة, دنيويا ودينيا. خذ مثلا, مائدة رمضان اقصد مائدة الافطار, التي تتكدس عليها انواع الطعام وتتسابق الاطباق ما بين اللحوم بأنواعها والمخللات والمشهيات, والحلوى الرمضانية المتنوعة حسب تنوع فاكهة افطارنا, وكلها تصنف تحت خانة (ياميش رمضان) وتشمل: قمر الدين, وعصائر المشمش والقطائف والكنافة, والتمر على قمتها لقيمته الغذائية وبساطته وارتباطه بنا نشأة وتاريخا. هذا التكدس الغذائي, يناقض روح رمضان, ويسرق منا جائزته, فالهدف من الصوم ليس تغيير مواعيد طعامنا بحيث نمتنع عن تناوله نهارا ونفرط في التهامه ليلا, بل الهدف او الاهداف التي لا يمكن حصرها من الصيام هو تطهير ابداننا وارواحنا من السموم المتخلفة عن الطعام المفرط, والخضوع لنداء الشهوة والغريزة, والارتقاء بالارادة الى المستوى الذي وهبه الله لنا, وقصرنا نحن في الحفاظ عليه. ومن قيم الصيام, ان نستشعر زوال الفوارق بيننا, بحيث تجمعنا مائدة واحدة في ميقات معلوم وموحد مهما اختلفت مواقعنا الاجتماعية او الاقتصادية, فالهدف من الصوم ان يتعاظم داخلنا الشعور بالمسئولية تجاه المحرومين والفقراء والمحاصرين في كل ديار المسلمين في فلسطين والشيشان. وليس صحيحا كما يشاع عن ان رمضان شهر يبرر التكاسل والتراخي, او ان الصوم يحد من قدرتنا على العمل, بل الاصح ان الصوم الصحيح يشحذ طاقة الجهاد, والا فكيف ارتبط تاريخيا بالفتوحات والانتصارات العظيمة قديما وحديثا.. قبل ان يحوله البعض الى شهر للفوازير التلفزيونية والسهرات الفضائية الساذجة والمملة... واللهم اني صائم. سيد زهران