يبدو واضحا ان التسارع التكنولوجي بدأ يسرق وبشكل علني من الاشياء روعتها واحساسها وتفاصيلها الدقيقة, اقول ذلك وانا مشفق على الاجيال القادمة التي ستفقد الكثير والكثير من جمال ورونق العادات القديمة، التي جبلنا عليها, وخاصة في شهر الخير والبركات, شهر الدعاء والغفران شهر رمضان المبارك الذي تطل نفحاته الخيرة على الوجوه الصادقة فتضفي عليها نورا ربانيا قلما نحسه في شهور اخرى. فقد بدأت تتساقط اوراق كثيرة من خصوصية هذا الشهر وتنبت مكانها اخرى لا لون لها ولا رائحة, لقد تساقط الاحساس المثير الذي يربطنا بالتفاصيل الرمضانية المتناثرة في زوايا المكان, في البيت, عند الجيران, في الأزقة الضيقة, في الحوش الكبير, عند الخباز, في المسجد, في الجلسات الرمضانية.. وغيرها من المشاهدات التي نراها اليوم بشكل مبتور وخالية من الاحساس والروعة القديمة. وأحاول ان التقط من تلك المشاهدات دليلا على التحول الذي يطاردنا كلما هل شهر رمضان المبارك علينا بخيراته, كان ذلك في العام 1986 اي قبل الانفتاح الفضائي والقنوات التي بدأت تتساقط علينا من كل حدب وصوب, كان (المسحّر) او ما يعرف في الدول العربية والاسلامية الاخرى بالمسحراتي يأتي الى البيوت المتناثرة في منطقة الراشدية ممتطيا حماره ومعه مساعد وهو ينادي (اصحى يا نايم وحّد الدايم) في الوقت الذي يلتف حوله الاطفال مرددين تلك الهتافات بشكل نشاز حيث تتردد اصواتهم البريئة وسط صوت أجش جهوري, مرة يهتف ومرة يطالب الصغار بالكف عن التحرش بالحمار.. ورغم ذلك تتواصل مسيرته طارقا البيوت و (السكيك) وقلوب الناس الصافية التي تجد في ذلك احساسا دافئا بخصوصية الشهر... بعد عام تغيرالحال.. لم يظهر الحمار في أزقة الراشدية, الجميع تساءلوا عن الغياب وظهرت اجابة السؤال في اليوم التالي.. سقط الحمار في دفاتر الزمن, واستبدل هكذا دون جريرة مثلما تستبدل الاشياء القديمة.. ترك المسحراتي حماره وامتطى ظهر سيارة (بيك آب) تجول شوارع الراشدية واستبدل صوته بمكبر صوت حديث.. في العام الذي يليه لم يظهر (البيك آب) اختفى المسحراتي وتساقط المشهد الجميل الذي كان من تفاصيل شهر رمضان المبارك. واليوم تساقطت كل المشاهد الرائعة التي ترسم بتفاصيلها روعة الشهر, ماتت الحارة, وانتحرت الالعاب القديمة التي كان يحييها الصغار والكبار في شهر رمضان, وتبخرت رائحة (الفرني) واصبح الثريد غريبا لانه ينتج بأياد غريبة, وصارت الاشياء الاخرى فضائية المنشأ والاعداد والتقديم. لا اريد ان ارسم صورة سوداوية لتفاصيل المشهد الحالي, ولكن اشير الى ان اكثر العادات والتقاليد هي مشاهدات وتفاصيل حافظ عليها الآباء والاجداد وعكفوا على ترسيخها في شكل ممارسات يومية, واذا لم تجد تلك المشاهدات من يهتم بها ويتواصل معها فبالتالي ستسقط اوراق كثيرة من تفاصيلنا المعاشة وسيصبح جيل اليوم فضائيا لا يحس بخصوصية المكان او رائحة الزمن الجميل. والمطلوب امام هذا التحول السريع الذي بدأ يطال لغة الحياة في مجتمعنا ان نداوي هذا التردي بالداء نفسه, فالزمن اصبح اليوم فضائيا.. ومن خلال الفضاء المفتوح نستطيع ان نكرس برامج تعنى بتلك المشاهدات والتفاصيل حتى لا تسقط الذاكرة هكذا في تفاصيل البرامج الرمضانية التي يمثل اغلبها فقط تغطية لساعات بث متواصلة. لقد استطاع الاعلام بما يحمله من قيم ان يقولب تلك المشهدية ويستبدلها بتفاصيل اخرى فظهرت الفوازير التي تصرف عليها ملايين الدولارات, وظهرت معها برامج المسابقات والحظ وتطورت الظاهرة لتفرز امام هذا الكم الهائل من الفضائيات اللاهثة وراء ساعات البث الآف الافكار المثيرة في سطحيتها, واصبح خطف المذيع التافه علامة مميزة, لتعم الظاهرة حتى المحطات الجادة التي انساقت صاغرة امام هذا التسابق الفضائي المحموم لارضاء المشاهد اينما كان. المثير ان هؤلاء بدأوا يسقطون من ذاكرتنا تلك المشاهد الجميلة التي كانت ومازالت ترتسم كلما أطل رمضان بنفحاته الشذية, ومن هنا علينا ان نكتب شهادة وفاة للمسحراتي وللحمار وللحارة وللألعاب الشعبية الرمضانية وللأكلات الحلوة التي استبدلت بالكريم كارميل. وداعا للتفاصيل والمشاهد الرمضانية واهلا بالداووديات!