معظم محددات التكوين الاجتماعي للولايات المتحدة الأمريكية, تجعل المجتمع الأمريكي أميل إلى حالة التشظي والانقسام, وذلك من منطلقات عرقية وثقافية ودينية واقتصادية. فهذا المجتمع هو نتاج هجرات بشرية ، من مختلف أنحاء العالم, مما جعله يمثل أكبر مجتمع استطياني تكون على مدار القرون الخمسة الماضية, وهو أيضا مجتمع حديث النشأة والاستقلال بالمعنى السياسي, لا يزيد عمره عن أكثر من مئتى عام بقليل, وقد ترتب على هاتين الخاصيتين, تنوع الأصول الحضارية وحداثة العهد بالإئتلاف السياسي, أن باتت هوية هذا المجتمع غير محددة المعالم من المنظور الثقافي.. ولهذا يقال عن حق بأن الولايات المتحدة الأمريكية, هي أكبر بوتقة صهر في العالم, وربما على مدار التاريخ. علاوة على هذه الخصائص الفريدة للتجربة الاجتماعية, فإن الولايات المتحدة, هي نمط مميز من الدول الاتحادية وكان على مؤسسيها الأوائل أن يتوافقوا على صيغة سياسية دستورية, تجمع في ضفيرة واحدة هذا النسيج متباين الخيوط. وقد نجحوا في مسعاهم هذا بالفعل عبر نظام سياسي, يبدو مستقرا إلى حد بالغ قياسا على تجارب أخرى أقدم عهدا وتتوفر لها ميزات يعد منها الواقع الأمريكي حتى اليوم كالاندماج القومي. بدون أخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار, لن يسهل فهم أسباب الانزعاج الذي لاح مؤخرا بين الأمريكيين وخارج الولايات المتحدة أيضا, في سياق اللغط حول أفق العملية السياسية الأمريكية, ولاسيما جدارة القانون الانتخابي في هذه العملية. ففي كل مراحل التاريخ الأمريكي, ظلت هناك أنواع من التدافع السياسي والتزاحم على الموارد والمكانة الاجتماعية الاقتصادية السياسية, وقد تقاطعت هذه الأنواع مع مظاهر التباين الثقافي أو الإثني أو الطائفي الديني.. الخ, وبلغ الأمر بالأمريكيين حد الصراع أحيانا بين أصحاب التوجهات المتعارضة, بين الاتحاديين والانفصاليين الإقليميين, بين الشماليين والجنوبيين, بين السود والبيض على خلفية الحقوق المدنية غير المستوية, بين الإنغماسيين في شئون العالم ما وراء المحيطات والانعزاليين.. غير أن الصيغة السياسية التي أفرزتها الثقافة الأمريكية التعددية في جوهرها, كرست نظاما حزبيا ثنائيا يتسم بالمرونة الشديدة القادرة على إحداث التوازن المطلوب بين كل الاتجاهات والأصول المصلحية( ناهيك عن ذلك التوازن المؤسسي العام الذي منع مؤسسة واحدة, مهما علا شأنها, من السيطرة على صناعة القرار في كافة الظروف). والواقع أن المرونة الحزبية في النظام الأمريكي تتجلى في حقيقة خلو الحزبين الكبيرين, الديمقراطي والجمهوري, من الأبعاد الأيديولوجية الفارقة بينهما. فلسنا في هذين الحزبين بصدد صراع أيديولوجي كاسر,كالذي نجده مثلا بين الاشتراكيين والرأسماليين, أو بين القوى الدينية والعلمانية, في نظم أخرى, كما لا توجد للأحزاب الأمريكية في أغلب المعارك الانتخابية سياسات عامة مختلفة إلى حد التناقض, أو حتى مستمرة وثابتة دوما لكل حزب. وفي بعض الأحيان لا يكاد المرء يعثر على ما يميز مواقف الحزبين الكبيرين السياسية, وبخاصة بشأن القضايا الدولية الخارجية. وهكذا, تعتبر الأحزاب الأمريكية أقرب إلى قنوات للترشيح للرئاسة أو لعضوية الكونجرس على المستويين الفيدرالي والمحلي.. ولا يعني ذلك غياب القوى ذات الأيديولوجية الصارخة بالكلية. فهناك مكان لهذه القوى الحزبية وإن كان محدودا جدا. وهي تظهر كحركات إحتجاج أو غضب في مواقف بعينها وتجاه قضايا بعينها أيضا, أكثر من كونها تيارات كبرى بوسعها التأثير على موازين القوى بين الحزبين البارزين, الأكثر شهرة وتبلورا منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر. على أن الفضفاضية الفكرية الايديولوجية للحزبين الديمقراطي والجمهوري, لا تعني التطابق. إذ أن برامجهما العامة تحوى فوارق نسبية, جعلت لكل منهما محازبين وأنصارا يمكن تمييزها على الساحة الاجتماعية الاقتصادية الداخلية. فالحزب الديمقراطي يشكل مظلة واسعة لمعظم التيارات ذات النزعة الليبرالية الإصلاحية, كحركات حقوق الإنسان والحركات التسوية المطالبة بالمساواة أو إباحة الاجهاض, ويصوت السود بنسبة عالية لهذا الحزب فضلا عن اجتذابه لأصوات اليهود والكاثوليك ومحدودي الدخل ( بالمفهوم الأمريكي). هذا على حين يستقطب الحزب الجمهوري أوساط رجال الأعمال وأصحاب المهن الحرة والبيض عموما, ولا يكاد يلقى تأييدا ملموسا داخل النقابات العمالية ولهذا فهو يوصف بحزب الارستقراطية الأمريكية. لقد وفق الأمريكيون عبر نظامهم السياسي بين مظاهر التنوع والتلافي. فمن أين أطلت أزمة الانقسام الحدي بين شطري العملية السياسية في الإنتخابات الرئاسية الأخيرة؟ ولماذا فرضت هذه الأزمة حديث التغيير بالنسبة لصيغ استقرت دستوريا لأكثر من قرنين, وكانت نموذجا تطلع الكثيرون للاقتداء به؟ لايوجد تفسير واحد ينال مقبولية عامة حول هذه الظاهرة: فثمة أولا, من يحيل الأزمة إلى خلل هيكلي في بنية النظام الإنتخابي للرئاسة, الذي يجعلها عملية معقدة متعددة المراحل, من الناخبين للمجمع الانتخابي, ومن هذا المجمع للمرشحين للرئاسة.. ولذا راح البعض مثل هيلاري كلينتون يطالب بإلغاء هذا النظام وإحلاله بعملية إنتخابية من درجة واحدة, أي من الجمهور مباشرة للمرشحين للرئاسة بدون وساطة المجتمع الإنتخابي. وفي تقديرنا أن هذا التفسير يفتقد للصدقية الكاملة رغم وجاهته فقد مارس الأمريكيون الانتخابات الرئاسية والنيابية مطولا في كنف هذا النظام.ولم تحدث مثل هذه الأزمة إلا نادرا, ومن هذه المرات النادرة ما حدث في إنتخابات 1824 و1876 و,1888 حين فاز الرئيس الأمريكي بفعل تصويت المجمع الانتخابي بدون أن ينال الأغلبية في الاقتراع الشعبي. وهناك ثانيا, من ذهب إلى أبعد من عدم صلاحية النظام الانتخابي وحده, معتقدا أن أزمة إنتخابات 2000 تعود لتقادم النظام السياسي الأمريكي برمته, والحجة هنا, أن هذا النظام سمح بوجود عمليات للتلاعب والفساد والابتزاز منذ أمد بعيد. وأن جماعات المصالح والضغط, متعددة الأهداف والأهواء, هي التي تدير النظام في الخفاء بغض النظر عن ميول السواد الأعظم من الناخبين, فهذه الجماعات, وبخاصة الأكثر تنظيما وقدرة مالية وإدارية منها, تؤثر على مسار العملية الإنتخابية إبتداء, ثم على القرارات السياسية والإدارية بمختلف أنواعها لاحقا لأن من يدفع ويمول هو الذي يتحكم في تصرفات المرشحين أثناء الانتخابات وبعدها. وكسابقه يحظى هذا التفسير بقدر من الصحة. لكن تعديل النظام السياسي الأمريكي, مسألة بالغة التعقيد ثم إن النظم السياسية عموما لا تخلو من مداخل وأساليب للتلاعب.. وفي هذا الاطار يعتبر النظام الأمريكي, كما سبقت الإشارة, نتاج واقع ثقافي إجتماعي تاريخي يعز نظيره, وقد أثبت جدواه لحقبة ممتدة. ولا يتصور إحداث تحول إنقلابي فيه, بفعل أزمة يمكن معالجتها بأساليب غير إنقلابية. وهناك ثالثا, ذلك التفسير الذي يفهم الأزمة الحالية على أنها مفتعلة عمدا. ففيما يقترب من نظرية المؤامرة, يتصور البعض, وفيهم عرب كثيرون, أن اللوبي اليهودي الصهيوني الأمريكي مسئول عن إثارة الفتنة الانتخابية بعد أن أوشك يهودي على تبوء أعلى سلطة تنفيذية أمريكية, في إشارة إلى ليبرمان نائب المرشح الديمقراطي لرئاسة آل جور. ولما كان فوز هذا المرشح ونائبه اليهودي مرهونا بالأخذ بالتصويت الشعبي, وليس بتصويت المجمع الإنتخابي فقد أثار هذا اللوبي ومؤيدوه, مثل هيلاري كلينتون, الأزمة الراهنة, علهم يرجحون كفة مرشحيهم الديمقراطيين ويشعر يهود الولايات المتحدة بأن فرصة مماثلة لوصول يهودي مؤيد لإسرائيل إلى مكانة نائب الرئيس, ثم الرئيس تحت ظروف غير مستبعدة, لن تواتيهم مرة أخرى بسهولة. لكن هذا التفسير, الجدير بممارسات اللوبي اليهودي, الإسرائيلي في الولايات المتحدة, يتجاهل أن الأزمة الراهنة ما كان لها أن تتجلى من دون وجود حالة انقسام في المجتمع السياسي الأمريكي حول الحزبين ومرشحيهما. وذلك إلى الدرجة التي أضحت فيها أصوات العشرات. وليس الملايين أو الآلاف- قادرة على تصعيد مرشح وهبوط منافسة. وهذه معادلة يصعب القول بمسئولية يهود أمريكا عنها وحدهم.. الفرض الأكثر معقولية والحال كذلك, أن اليهودية الأمريكية امتطت الأزمة ونفخت في أوارها ولم تضعها من لونها فقط. ويدعم هذا الفرض أن أقليات كبيرة أخرى, كالأقلية السوداء, عبرت عن امتعاضها وتشكيلها من أداء النظام الإنتخابي وتحدثت عن التمييز والحرمان من الحقوق السياسية في ظل هذا النظام. وفي كل الأحوال, ستظل إنتخابات الرئاسة الأمريكية.. بمثابة الواقعة الكاشفة الابرز لكثير من عيوب النظام السياسي الأمريكي. ومن غير المستبعد أن يكون لهذه الواقعة/ الازمة ما بعدها, من حيث النظر جديا في تلافي هذه العيوب.. ممن يصعد من المرشحين, سيحكم بإرادة نصف المجتمع الأمريكي في أحسن الفروض علما بأن نسبة المشاركين بالتصويت عموما تظل محدودة (لا تزيد عن 50 في المئة من مجموع الناخبين). ولاشك أن النصف زائد واحد ليست بالأغلبية المطلوبة لترجيح رؤية على رؤية وقرار عن قرار في مجتمع يتوخى الديمقراطية الحقيقية. كاتب فلسطيني ــ القاهرة