أول وزارة فرنسية لمواجهة الموقف الاستثنائي الناشىء عن اندلاع الثورة الوطنية المسلحة في الجزائر في نوفمبر 1954 لم تصمد سوى عام واحد. وهكذا سقطت حكومة (ادجار فور) في نوفمبر 1955 لتفسح المجال لانتخابات جديدة. الحكومة المنتخبة بقيادة (جي موليه) تبنت, استفادة من تجربة حكومة فور, منهج حوار مع قادة الثوار الجزائريين مع الاستمرار في القمع العسكري على خط مواز. لكنها وصلت الى طريق مسدود. فالعرض السياسي الذي تقدمت به اغضب الثوار لأنه لم يرق الى مستوى مطلب الاستقلال.. ومن ناحية أخرى اثار جمهرة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر لأنهم رأوا فيه رخاوة من جانب باريس. هذا هو اليوم وضع حكومة ايهود باراك تقريبا. الطرف الفلسطيني يجد ان الصفقة الاخيرة التي عرضها باراك في كامب ديفيد لا تفي بمتطلبات الحد الادنى للحقوق الاساسية للشعب الفلسطيني, بينما يرفضها المستوطنون اليهود في غزة والضفة لأنها تنطوي على (تنازلات خطيرة). وهكذا واصلت الثورة الجزائرية في الخمسينيات انطلاقها على خط تصاعدي. ومع ازدياد معدلات القتلى بين القوات الفرنسية في الجزائر وبين المستوطنين اصيبت دوائر الحكم في باريس بحالة من الجنون والتأزم.. فعمدت الى اجراءات طائشة من فرط الارتباك واليأس. من هذه الاجراءات عملية اختطاف, فقد اعترضت طائرات سلاح الجو الفرنسي طائرة مدنية كانت تقل خمسة من القادة الجزائريين ابرزهم احمد بن بيلا لدى عودتهم من اجتماع مع قادة المغرب وأجبرتها على الهبوط.. ومن ثم جرى اعتقال القادة الخمسة وايداعهم السجون في فرنسا. هذه الحادثة التي وقعت في مايو 1956 كانت نقطة تحول خطيرة ندمت عليها فرنسا لاحقا. فقد استفزت قيادة الثورة الجزائرية الى درجة انها قررت, وللمرة الاولى توسيع دائرة النضال القتالي بنقله الى داخل العمق الفرنسي. وهكذا بدأ عهد من الرعب في شوارع باريس: مسلسلات من التفجيرات في الاماكن العامة وحوادث اغتيال افرزت اضطرابا امنيا خطيرا على مستوى الشارع وفوضى متنامية في اوساط الدوائر الحاكمة والقيادات الحزبية. وكما جرى للمجتمع الامريكي مع تصاعد اعداد اكفان الشباب الامريكي الواردة تباعا الى مطارات نيويورك وواشنطن من ارض المعركة على بعد تسعة ألاف ميل في فيتنام انشقت الامة الفرنسية على نفسها ما بين مؤيدين لاستمرار سياسة القمع الفرنسية في الجزائر ومعارضين يطالبون بخروج فرنسا من الجحيم الجزائري بأي ثمن وما بين جمهرة من الحيارى الذين لا يهتدون سبيلا. هنا نتوقف لنتساءل: هل تعي اسرائيل التجربة الفرنسية (ومن قبلها التجربة الامريكية في فيتنام) فيلجأ القادة الاسرائيليون الى تغليب الحكمة قبل فوات الأوان؟ للأسف.. قادة اسرائيل الآن من اقصى اليسار الى اقصى اليمين مسكونون جميعا بحالة عصبية من فرط المزايدة على بعضهم البعض للظهور بمظهر بطولة زائفة دون التبصر في العواقب على المدى البعيد. سياسيو فرنسا كانوا ايضا على هذه الحالة الجماعية من الاضطراب العصبي الى ان ظهر من خلف الكواليس الجنرال شارل ديجول ليصدع بصوت العقل ويبدو الآن ان هناك حاجة لظهور ديجول اسرائيلي.