تؤكد مستجدات العصر ومؤشرات تطوره في الساحة العالمية على ان المعطيات الاقتصادية هي المؤشر الحقيقي لتطور مجتمع ما او دولة ما او منظومة دول ما.. ذلك ان الاقتصاد اصبح يلعب دورا مهما ويحدد طبيعة العلاقات، ليس بين الافراد في المجتمع الواحد فحسب وانما بين مختلف دول العالم وكذلك التكتلات الاقتصادية التي تشهدها الساحة العالمية ومن هذا المنطلق وجدت مجموعات الدول انه لا خيار لها الا بتحقيق المزيد من التعاون الاقتصادي لتحقيق المزيد من التشابك والتعاون والتكامل الاقتصادي في عالم تحتدم فيها الصراعات من اجل مصادر يصبح فيها صاحب او مالك تلك الثروات يعاني من الجوع والهلاك فيما يتنعم المهيمن عليها حيث يصبح القرار لمن يهيمن على تلك الثروات او من يملك زمام الامور فيها وحيث لا اعترف بدول ومجتمعات لا تعمل على تنمية ذاتها وتحقق اهداف شعوبها. ولقد اكدت مستجدات الحقبة الزمنية الماضية على حقيقة ذلك سواء في جنوب شرق آسيا, او في المكسيك او نيجيريا او دول افريقية عديدة تصبح على بحر من الخبرات والثروات الطبيعية ولكن الحروب الاهلية او الازمات المالية, او الصراعات الاقليمية جعلت تلك الدول تعاني من ضعف في آليات تنمية مصادرها وثرواتها واصبحت رهينة تصادرات ثرواتها في هيئة مواد خام في الوقت الذي يتطلب التحول الى التصنيع وتصدير المواد الاولية او الثروات الطبيعية في هيئة صناعات ومنتجات وخدمات. والامر في دول مجلس التعاون لا يختلف عن حال تلك الدول, فعلى الرغم من سنوات الاستقلال وعلى الرغم من الثروات الطبيعية المتوفرة, وعلى الرغم من تجربة الامس الا ان هذه الدول لم تتخذ خطوات حقيقية لتنمية مصادر الدخل فيها وظلت حبيسة تصدير مادة اولية هي البترول, وأدى هذا الوضع الى ان اصبحت اقتصاديات دول المجلس تعاني من ضعف البناء الاقتصادي واصبحت اكثر اعتمادا على البترول وظلت تعيش في غرفة الانعاش تعتمد على استنشاق (الاكسجين) المنبعث من ابار النفط, وحينما يتأثر هذا الاكسجين فإن الفرد والمجتمع والاقتصاد يتأثرون جميعهم وبدلا من ان تسعى هذه الدول الى تحقيق تنمية اقتصادية تصب في تحقيق اهداف التنمية الشاملة, نجد ان غياب الاستراتيجيات التنموية طويلة الامد لدى معظم دول المجلس جعل اقتصاديات هذه الدول اكثر تأثرا بتذبذب اسعار النفط في السوق العالمية لا سيما بعد ان كسرت هذه الدول القاعدة المستهلكة والمستوردة والتي تشكل جانب الطلب هي التي تتحكم في اسعار نفط الدول المنتجة له, واصبحت هذه الدول الاخيرة متحكمة في الاسعار بل وذهبت هذه الدول الى التحكم حتى في حجم الانتاج وسوقه غير عابئة بانتكاسات التذبذب وخطورته على اقتصاديات دول تعتمد اعتمادا شبه كلي على النفط. لقد اكدت السنوات الماضية مدى اعتماد هذه الدول على النفط وتجسد هذا من خلال نسبة مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي الاجمالي لدول المجلس حيث يشكل النسبة العظمى بشكل مباشر وعلى نمو غير مباشر من خلال القطاعات الاخرى المكونة للناتج المحلي ولا سيما قطاعات كالتجارة والخدمات. كما يتجسد ضعف البناء الاقتصادي والاعتماد على النفط من خلال اعتماد موازنات هذه الدول وبنسبة لا تقل عن 95% على الايرادات النفطية وبالتالي فإن الانفاق الحكومي يعتمد كليا على حجم الايرادات المتحصلة من الصادرات النفطية. ومن ناحية اخرى فإن البترول الخام يشكل اهمية كبرى في صادرات هذه الدول حيث تصل نسبة الصادرات البترولية في الميزان التجاري الى 20% وبالتالي نجد ان هناك عجزا كبيرا وخطرا يمكن حدوثه في حال تناقص الطلب العالمي على نفط دول المجلس وبالتالي فإن مشاريع التنمية بل وحتى رواتب الموظفين واجورهم تتأثر مباشرة بأي تذبذب في الاسعار وذلك كما حدث في منتصف الثمانينيات وعامي 98و1999. اما من حيث البترول وعلاقته بالقطاع الخاص فإنه وعلى الرغم من التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص بدول المجلس فإننا نجد ان هذا القطاع لا يتسم بفاعلية حقيقية الا من خلال الانفاق الحكومي اذ تتراجع حركة هذا القطاع بتراجع الانفاق الحكومي الناجم عن تراجع الايرادات النفطية بهذه الدول وبالتالي فإن هذا القطاع ظل معتمدا ايضا بصورة غير مباشرة على النفط والايرادات المتحصلة منه حيث تتوقف استثماراته على حجم الاستثمارات الحكومية كذلك فإن الدخل الفردي يتأثر مباشرة بأي تذبذب بأسعار النفط وحتى الانفاق الشخصي يتأثر بحجم هذا الدخل وقد ابرزت السنوات الماضية مدى ارتباط دخل الافراد وحجم ادخاراتهم وبالتالي استثماراتهم بطبيعة المتغيرات في صادرات النفط وأسعار وأخيرا فإن استقرار سعر الصرف لعملات هذه الدول وكذلك استقرار السياسة النقدية والجهاز المصرفي مرهون بمدى الاستقرار في اسعار النفط الخام الذي تستمد عملات هذه الدول وسياساتها النقدية والمصرفية من قوتها واستقرارها بمدى التطورات المستجدة في السوق النفطية العالمية. كاتب من الامارات