في (حديثنا الشهري) بعدد مايو الماضي من هذا العام والذي كان يحمل عنوان (سلام الهيمنة الاسرائيلية, إلى أين المصير؟) بدأناه متسائلين: (هل هي التسوية النهائية, حقا تلك التي توشك حلقاتها أن تكتمل, مع ما يقال عن ، اقتراب المسار التفاوضي السوري ــ الاسرائيلي من إطار عام لاتفاق ما, ومع تواصل تلك المباحثات الفلسطينية ــ الاسرائيلية التي استطالت دون ان ندري ان كانت تصنع التمهيدات لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة أم لا؟).. وكان جوابنا ــ بعد استقراء كل ما أسفرت عن الوقائع والنوايا هو النفي. ثم جاءت احداث انتفاضة الاقصى, المشتعلة منذ ثلاثة شهور حتى الان واحتدام المواجهة بين حجارة الانتفاض الفلسطيني ونيران القمع الاسرائيلي القاتلة, وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى تحت وابل الرصاص الحي لجيش مدجج حتى قمة رأسه بالسلاح, لتؤكد وتحتم الإجابة بهذا النفي. وقد ذكرنا أن (تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي يؤكد بوضوح ان الحركة الصهيونية في فلسطين, وعلى امتداد العالم لم تنظر أبداً الى المشروع الاستيطاني في فلسطين إلا من منظور واحد هو القمع الدائم للجيران العرب, وربطهم, بقوة هذا القهر والإرغام, بعجلة المشروع الصهيوي الذي سيعتمد في بقائه واستمراره ــ بعد تجليه في شكل دولة هي الأكثر تفوقا, عسكريا واقتصاديا في المنطقة ــ على التفوق الدائم لجانب واحد, وهذا التفوق لابد أن يقابله, بالضرورة, ضعف عربي وتبعية دائمة لاسرائيل المتفوقة والمهيمنة). استئصال الآخر وقد أثبت هذا القمع الصهيوني الوحشي ضد رماة الحجارة الفلسطيني ــ الذين فقدوا صبرهم وطال انتظارهم للاستقلال والدولة المختزلة حتى اصبحوا الشعب الوحيد في العالم كله الذي لا يزال يخضع لاحتلال عسكري مباشر ــ أن التعايش بين اليهود والعرب والمسلمين في نظر الحركة الصهيونية الاستيطانية امر يتناقض مع ثقافة الفكر اليهودي الراسخة عن (شعب الله المختار) الذي ميزه الله عن العالم, وسخر بقية الخلق قاطبة لخدمته وخضوعهم لقيادته ولمصالحه الدنيوية! فإسرائيل قد اكتسبت مبررات وجودها في فلسطين وفق ثقافة قديمة ضاربة في اعماق التاريخ, لأن مبرر هذا الوجود هو تحقيق اقامة الدولة (اليهودية) النقية التي لا يشاركهم فيها أحد من غير اليهود, وما مبرر وجود الآخرين معهم أو حولهم إلا لدعم هذا الحلم اليهودي الديني, لذا نراهم لا يستنكرون شيئاً مما ينزلونه بغيرهم من ظلم وارهاب وقتل يصل الى حد استخدام اساليب الافناء لوجود الآخر.. كالقتل المتعمد للاطفال, وهدم المنازل, وازالة الوجود المادي للسكان الأصليين وتزوير تاريخهم وانتمائهم للأرض التي (يزعمون انها اختيرت من قبل الرب لتكون ارض الميعاد)! ان السيطرة التراثية للفكر اليهودي, والاستناد الى ثقافة الشتات والإحساس الدائم بالاضطهاد وعدم الوثوق بأي شيء في هذا العالم سوى تعاليمهم التوراتية, هي التي تحكم اليوم الدولة اليهودية في فلسطين, وكل ما يقال عن العلمانية واليسارية وقوى السلام في المجتمع الاسرائيلي نراها قد انهارت في ايام قلائل امام الرعب من حجارة الفلسطينيين, وتخلي الجميع عن علمانيتهم ويساريتهم والتحموا مع حملة الفكر التوراتي القديم ضد شعب أعزل مقهور مسلوب الأرض والدار ومعزول حتى من الدعم والمساندة من العالم الخارجي. إن الطائرات والدبابات والصواريخ الاسرائيلية وهي تدك منازل المدن والقرى الفلسطينية على رؤوس ساكنيها, تكشف عن ثقافة المسلك الصهيوني الحاكم لمجريات السياسة في اسرائيل, التي ترى العرب قوما لا يفيد معهم سوى القوة, وكلما استخدمت مزيداً من القوة ضدهم وتم تصعيدها تراجعوا امامك أكثر! سلام مختلف.. سلام مستحيل لقد أسقطت حجارة الاطفال الفلسطينيين القناع عن الوجه الحقيقي للعنصرية المتأصلة في التعامل الاسرائيلي مع (الجيران) الفلسطينيين والعرب, وبات واضحا واكيدا, مع تواصل انتفاضة الاقصى وتحديها للاستعمار الاسرائيلي بكل آلته العسكرية القمعية, ان اسرائيل تتحدث طوال حلقات تفاوضها مع العرب منذ (مؤتمر مدريد) عن سلام مختلف عن السلام الذي يتحدث عنه العرب ـ مع كل تواضعه ـ وأنها تبحث على مستوى (الكلام) عن تسويه (عبر مسارات التفاوض) مع العرب بينما تسعى على مستوى (الفعل) الى فرض واقع نابع من ثقافة الهيمنة والاستعلاء اليهودي على (الجيران) أو إلى إملاء (سلام) التفوق الصهيوني والضعف العربي. ويمكننا ان نعيد قراءة مشروع (الشرق أوسطية) الذي بشر به شيمون بيريز رئيس وزراء اسرائيل الأسبق ضمن هذا الفكر اليهودي التوراتي. إن واقع التركيبة الحالية لمنظومة الحكم في اسرائيل, وكما أشرنا في مقالنا سالف الذكر, يتسم (بالتفوق الواضح للجناح اليميني التوراتي المتطرف, وهو الجناح الذي يعتمد في فكرة وايمانه على أن الوجود الصهيوني قائم على الغاء الطرف الآخر, وهو هنا الفلسطيني العربي المسلم, وهؤلاء المتدينون المتخلفون والمتعصبون هم الذين يرجحون الآن ـ ولفترة طويلة قادمة ـ ميزان قوى الرأي في السلطة الاسرائيلية). وقد تجسد اخفاق هذا الفكر في قبول التعايش مع الآخر (الفلسطيني) والمشاركة المتكافئة في بناء المستقبل, حتى ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الذي رضي منذ أكثر من خمسين عاما ان يصبح جزءاً من دولتهم, رفضوه بسرعة فائقة وأضافوه ـ رغم انه يحمل الهوية الاسرائيلية ـ إلى قائمة العدو الفلسطيني الذي يجب ان يفنى! هذه الثقافة اليهودية المتسلطة والمدعمة بقوة التطور التكنولوجي والعسكري الغربي تنظر للسلام في المنطقة ومستقبل وجود من زاوية مناقضة تماما للنظرة العربية للسلام والتصالح. فأي دولة ديمقراطية علمانية هذه التي تؤمن وتعمل على الغاء أكبر اثر ديني في التاريخ لشعوب المنطقة بأسرها وللشعوب الاسلامية كلها, وأقصد به المسجد الأقصى, ولا تضع اعتبارا لأي من القيم الثقافية والتراث الديني لتلك الشعوب من أجل وهم السعي لإثبات أن تحت هذا الأثر موقعاً أو دليلا على وجود معبد يهودي (الهيكل) تهدم منذ آلاف السنين؟ فكيف لنا ان نعتمد ونمضي على طريق الثقة والتصديق مع فكر وثقافة تلك هي منطلقاتها في القرن الواحد والعشرين. إن تصادم الثقافات بين العرب والإسرائيليين يضع صيغة السلام (المدريدي) في قائمة الوفيات, ويؤكد الحاجة الملحة الى طرح صيغة بديلة فاعلة يقودها الفلسطينيون ويدعمهم العرب والقوى العالمية ذات المصلحة الحقيقية في اقامة سلام واستقرار في منطقتنا العربية. هذه الصيغة لابد أن تنطلق من يقين كامل بأن الصراع لن ينتهي بسهولة ويسر, أو بقوة سحرية, ولابد من خلق أشكال جديدة لآلية هذا الصراع تنطلق من مبدأ أن السلام يقوم ويسود في حالة واحدة هي خلق (توازن قوى) بين الطرفين المتصارعين يتقوى فيه الطرف الأضعف تدريجيا على حساب تراجع قوة الطرف الأقوى تدريجيا ايضا. طريق للخلاص إن دماء الشهداء التي تسيل كل يوم يجب أن تتحول الي لفعل, كما ان مشاعر الغضب العميقة التي تعم الشارع العربي يجب ان تتحول الى طاقة دافعة. ولن تجدي صيحات الحرب المتوالية والدعاوى الصارخة من اجل فتح الحدود. فالحرب النظامية لم تعد تدور على الارض. وحرب كوسوفو هي خير دليل على ذلك. ولا اعتقد ان الجيوش العربية قادرة على اختراق السهول والوديان فضلا عن اختراق الحدود العربية المصمتة. ولكن الكفيل بإعادة الحرب الى الارض هم ابناء الشعب الفلسطيني نفسه, فهم وحدهم القادرون على الضغط من اجل تحرير المدن الفلسطينية وهم أيضا القادرون على انتزاع اعتراف العالم بحقهم العادل في النضال ضد المحتل. ولكن هذا الأمر يجب ألا يتوقف عند إلقاء الامر على عاتق الآخرين, فهؤلاء الناس المحاصرون في حاجة إلى من يدعمهم ماديا ومعنويا حتى يمكنهم مقاومة ذلك العنت الاسرائيلي. ويجب ان تكون لهم قنواتهم المالية الخاصة بعيدا عن المؤسسات الاسرائيلية, كما ان الحجارة لم تعد سلاحا كافياً امام كل هذا القمع والعنف المبالغ فيه. وكان لابد من ايجاد وسائل أخرى ليستطيعوا الذود عن انفسهم وعن وجودهم. وسواء أمسك الفلسطيني بالحجارة أو بالسلاح فلن تفعل اسرائيل أكثر مما فعلت, فقد استغلت أقصى ما في ترسانتها من اسلحة سواء كانت دبابات أو طائرات أو صواريخ. إن تجربة (حزب الله) اللبناني اثبتت شيئين اساسيين اولهما: ان اسرائيل قابلة للهزيمة اذا وجدت من يرد عليها, وثانيهما: ان العالم لا يفهم ولا يحترم الا من يملك القوة والاقناع. كما ان الصراع مع الدولة العبرية في اسرائيل ممتد الحلقات, متعدد الاطوار, متسع الميادين, يمتد من الحجارة والضغط العصبي والنفسي على المجتمع الاسرائيلي, الى ميادين الاعلام الذي يجب ان ندخله متسلحين بأدوات الثقافة والاقتصاد والعلم لا بالصراخ والخطابة. ان من المهم ان نمتلك القدرة على معرفة الآخر وكيفية الوصول اليه والتفاهم معه, وخلق الروابط الاقتصادية والمعرفية معه, وفهم علم المصالح المتبادلة بين الأمم والدول في هذا العالم متسارع الخطي والتحولات. ان ساحات معركة الاعلام والتواصل مع العالم الخارجي اصبحت من الاسلحة الاكثر تأثيراً وفتكا في الصراع العالمي, فثورة الاتصال والمعلومات وضعت العالم امام الحقائق مباشرة, ومهما حاولت قوى متحكمة في التأثير على حقائق الصورة ومحاولة تشويهها أو تحريفها, فلن تصمد طويلا وستنكشف سريعاً كل محاولات المخادعة والتحريف.. فالشعوب اصبح لها الدور الاول في التأثير على سياسات حكوماتها, ولم يعد ذلك العطاء الذي يسمح بخديعتها, فإذا ما عمقنا فهمنا للعالم من حولنا, وتسلحنا بسلاح التواصل النابع عن معرفة وفهم للتلاقي والتعاون والمصالح المشتركة مع هذا العالم فإننا بالتأكيد سنحقق منجزات كبيرة في صراعنا ضد العنصرية اليهودية في فلسطين. فالدولة اليهودية في فلسطين لم تنشأ في يوم وليلة إنما هي حصيلة عمل مضن بدأ منذ القرن التاسع عشر بصبر وعزيمة وكان عملا شاقاً اتسع على امتداد دول العالم وحكومات الدول الكبرى في ذلك الزمان, واستطاعت الصهيونية ان تستثمر كل إمكاناتها التنظيمية والاقتصادية والعلمية والسياسية والاعلامية في خلق ذهنية عالمية تساند دعوتها وحقها في اقامة دولتها المستقلة في فلسطين, وتغيير هذه الذهنية العالمية المتعاطفة والمتضامنة مع الحق اليهودي ـ وهي معركة ضخمة لابد من خوضها ــ لن يتأتى بالصراخ والعصبية والتأزم وشتم العالم, فصراخ حناجرنا لا يتعدى فضاء بلداننا, ولن يجدي نفعا, لان خلق ذهنية عالمية تعترف بالظلم الذي وقع على الفلسطينيين على ايدي الصهيونية وتتعاطف معهم وتبدأ في الدفاع عن حقوقهم يتطلب عملا منظما طويل الأمد يأخذ بعين الاعتبار كل الظروف والأحوال المستجدة في العالم, ويعمل على اختراق النظرة الدونية تجاهنا من قبل العالم, بتقديم بديل ديمقراطي وانساني لأوضاعنا السياسية والاجتماعية. وربما كان من المناسب ان اختم حديثي هذا بتلك الفقرة التي ختمت بها مقالي سالف الذكر على هامش ذكرى قيام دولة اسرائيل عام 48 في عدد مايو الماضي والذي قلت فيه ان هذه الذكرى تدعونا الى (أن نتأني قليلا في سيرنا نحو البحث عن السلام العاجل بأي ثمن, وألا نلغي التاريخ من حساباتنا, فلقد صمد العرب أكثر من خمسين عاما, وقدموا تضحيات وتضحيات, لكنها لم تكن بلا ثمن فالصراع العربي ــ الاسرائيلي خلق حالة قابلة للتطور لمصلحة العرب, اذا ما حاولوا ان يمسكوا بخيوطها بأيديهم ويستخدموا ما في التاريخ ــ تاريخ المنطقة والصراع ـ بعقل مفتوح وثقة بإمكاناتهم البشرية والجغرافية ومصادر قوتهم الاقتصادية ـ وأضيف بما لديهم من مخزون ثقافي واسع ـ فسيتمكنون في النهاية من الوصول الى نتائج ملموسة لمصلحتهم واستقرار اوطانهم, والمنطقة بأسرها في نهاية المطاف).