مع قرار رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك اجراء انتخابات جديدة كمخرج مأمول من الازمة السياسية الداخلية المتعاظمة بسبب فشل الحكومة في القضاء على الانتفاضة الفلسطينية او التقدم بمقترحات سلام يمكن ان يقبلها الطرف الفلسطيني يبدو ان اسرائيل مقبلة في الشهور المقبلة على حرب اهلية سياسية. والمشهد الاسرائيلي اليوم ازاء انعكاسات وتداعيات شهرين من الفوران الفلسطيني الذي لا ينبىء الا بمزيد من الفوران يعيد الى الاذهان المشهد الفرنسي في اعقاب انطلاق وتطور الثورة المسلحة في الجزائر ابتداء من أواخر عام 1954. ما بين أمس فرنسا والثورة الجزائرية وحاضر اسرائيل والانتفاضة الفلسطينية تماثل جوهري يكاد يكون من قبيل وقع الحافر على الحافر. لقد انقذ فرنسا من نفسها ظهور الجنرال شارل ديجول بعد تساقط القادة السياسيين الفرنسيين واحدا تلو الآخر وخروجهم من المجرى الرئيسي للتاريخ. وبإجماع شعبي تسلح ديجول بالشجاعة والحكمة والموضوعية للاقدام على الخيار الاوحد المتاح لعودة الاستقرار والامان لفرنسا: الموافقة على استقلال الجزائر. كما جرى في فرنسا الخمسينيات فإن المشاجرات والشتائم التي تبودلت داخل البرلمان الاسرائيلي بين القادة السياسيين على صعيدي الحكومة والمعارضة وانتهت الى قرار بإجراء انتخابات جديدة اعلنه رئيس الحكومة ونال موافقة الجميع تقريبا ربما تكون ايذانا ببداية لا نهاية: بداية مسلسل من ازمات الاحباط السياسي تزداد تفاقما وتعقيدا مع تصاعد الجسارة الفلسطينية المسلحة وتوسع الانتفاضة كما وتطورها نوعا. لقد وصلت اسرائيل الى طريق مسدود بالمعنيين السياسي والقتالي.. فلم تحقق اي اختراق حاسم على اي من الصعيدين. ولهذا سوف يقبل القادة المتصارعون على بعضهم البعض يتلاومون. فهل يظهر فيهم ديجول اسرائيلي؟ كالانتفاضة الفلسطينية اليوم فرضت الثورة المسلحة في الجزائر نفسها من الوهلة الاولى لانطلاقها في نوفمبر 1954 .. وبعنفوان اقوى. ومن اول وهلة ايضا وعلى مدى السنوات الاربع التالية لم تتعامل معها مؤسسة السلطة الفرنسية الا بالعنف العسكري الوحشي.. لكن فرنسا سادها احباط متنام مع ازدياد الجسارة القتالية لكوادر الثورة المسلحة. خلال السنوات الاربع من عام 1954 الى عام 1958 توالت على الحكم في باريس ست حكومات.. اي بمعدل حكومة جديدة كل ثمانية شهور. تجرى انتخابات عامة يتبارى فيها قادة الاحزاب حول من الاقدر على سفك دماء الجزائريين بوحشية اشد واجبار قادة الثورة على الاستسلام الكامل.. تماما كما يتبارى اليوم باراك وشارون وقادة الحزب الديني الاسرائيلي (شاس) ويتزايدون على قمع الانتفاضة الفلسطينية. وعندما تفشل الحكومة المنتخبة في باريس في الوفاء بوعدها تواجه بحملة هجوم من الشارع والمعارضة.. وتسقط الحكومة لتصعد الى السلطة حكومة جديدة من صفوف المعارضة تفشل بدورها في هزيمة الثورة الجزائرية المستعرة فتسقط مصاحبة بلعنات من الشارع والقوى السياسية الاخرى المنافسة. وربما تشكل حكومة ائتلافية من اكثر من حزب. وفي كل الاحوال يرفض الحكام, لاعتبارات العناد او المناورة السياسية, الاقرار بأنه لا حل للمسألة الا بالتسليم بحق الشعب الجزائري المشروع في الاستقلال الوطني.