على مر التاريخ العربي الحديث كان الصراع بين التضامن وبين التفكك العربي حالة تعكس طبيعة التعاملات العربية العربية. ففي السابق وقعت احداث وحدت تيارات العرب كما وانظمتهم السياسية على اختلاف مشاربها, وبالوقت نفسه وقعت احداث فككت العرب وفككت اوضاعهم السياسية. التضامن في مواجهة القضايا الحساسة التي تخص العرب وتؤثر في مصيرهم الشمولي كانت دائما رد على تحديات وانتهاكات مست كل العرب بصفتهم عرب وبصفتهم مسلمين وبصفتهم فوق كل شيء شعوب تمتلك حالة من الاعتزاز بالذات والشعور بالمستقبل. على مدى التاريخ العربي الحديث سارت شحنات التضامن العربي في المواجهات مع اسرائيل وحروب التحرير ضد الاستعمار الى جانب من شحنات التفتت والتنابذ والتصارع والاستقواء في حرب اليمن والحروب الاهلية العربية والغزو العراقي للكويت. ان كلا الصورتين جزء من الصورة العربية العامة التي تتمايل بين النقيضين في مراحل تاريخية مختلفة. في الساحة العربية اليوم انعكاس لنفس الحالة التاريخية ولكن هذه المرة لصالح حالة من حالات الاتحاد والتضامن. فهناك اليوم اجماع على ان قضية القدس تحولت الى مسألة مركزية توحد كافة القوى السياسية العربية. فمنذ اكثر من عقد من الزمان لم يجمع اسلاميو العالم العربي قوميو العالم العربي وليبراليو العالم العربي ورسميو العالم العربي على قضية كما يجمعوا اليوم. ويمكن القول انه توجد عربيا حالة تعطش للعدالة السياسية. فالحالة العربية تشعر بالتميز في الاطار العالمي. الى حد كبير يشعر العرب بأنهم يدفعون ثمن تقلبات هذا القرن, وثمن حروبه, وثمن هزائم الدولة العثمانية وثمن محاولتهم اعادة الاعتبار لوضعهم, اضافة الى دفعهم ثمن اخطائهم والكثير من تجاربهم غير المدروسة ومغامرات بعضهم. ولم يعرف العرب غبنا او حالة غياب للعدالة كما عرفوا بالتحديد في قضية فلسطين. فهناك تعايشوا مع الظلم التاريخي الممزوج بالكثير من التهديد والخوف. ان الشعور العربي بأن العرب في مواجهة مع قوى متفوقة لديها مشروعها, وإن الهزائم انهالت عليهم على مدى نصف قرن يجعل من الشعور بالعدالة والتضامن في قضية فلسطين امر مرتبط بأعماق الوجدان العربي. وما من حالة عربية تصف حالة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية كما هي الحالة في منطقة الخليج. فهناك اهتزت عناصر رئيسية تخص القضية الفلسطينية نتيجة احداث عام 1990 ــ 1991 وتداعياتها والمواقف التي نتجت عنها. ولكن الانتفاضة الفلسطينية شكلت روح التضامن الخليجي مع القضية الفلسطينية كما كانت عليه الاجواء في زمن الانتفاضة الاولى. الى حد كبير يمكن الاستدلال على هذا من خلال التغيرات الكبيرة التي وقعت في الكويت, اذ كانت هبة الشعب الكويتي المساندة للقضية الفلسطينية تعبر عن وجدان مرتبط بالتاريخ وبالانتماء العربي والديني والاسلامي. بل ان الواقع السياسي الديمقراطي في الكويت ساهم في مواقف علنية وتجمعات كبيرة للقوى السياسية الكويتية بشقيها الاسلامي والليبرالي, كما ساهم في مواقف متجددة للدولة (مساهمات مالية, مواقف سياسية واعلامية). والملاحظ الآن ان التيارين الاسلامي والوطني يسعيان لتحويل الموقف من القدس الى مسألة مستمرة من خلال برامج مستمرة تواكب حركة الانتفاضة. لقد وحدت القضية الفلسطينية الساحة السياسية العربية في منعطفات مهمة على مدى النصف الثاني من القرن العشرين, وها هي تعود لتترك ذات الاثر. في هذه الفرصة التاريخية قد تكون احداث فلسطين التاريخية مدخلا للكثير من التفكير العربي العربي, ومدخل للكثير من الانتاج الثقافي والسياسي الذي يهدف الى اعادة النظر بالشروط التي تساهم في استعادة الشعور بالاحترام والكرامة الى العالم العربي. هذه الاستعادة لن تتم قبل انهاء الظلم التاريخي الواقع في فلسطين والتحول نحو الدروس التي تتأتى من هذه التجربة. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت