منذ اللقاء الأول حول فكرة (المتوسطية) التي تزعمت الدعوة إليها كل من مصر وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا, وتم وضع أسسها في إعلان برشلونة عام ,1995 كان يبدو أن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ، تسير باتجاه تشكيل قوة إقليمية جديدة لها مكانتها عالميا, وكان الاتفاق على تنفيذ تلك الفكرة بشيرا بتحول كبير يؤهل منطقة حوض البحر المتوسط لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين, على الرغم من كل العقبات التي تقف في طريق تشكيل هذه القوة الإقليمية, وأولها المشكلة الفلسطينية التي تجعل من التعاون مع دولة مثل إسرائيل صعبا من جانب عدد كبير من الدول العربية المتوسطية في الوقت الذي تصر فيه إسرائيل على ممارساتها العنصرية ضد الشعب الفلسطيني, ورفضها تنفيذ القرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن. وأيضا التحفظات التي كانت تدور حول هذا التكتل الإقليمي من جانب الدول الأخرى ذات المصالح في المنطقة, وبشكل خاص من جانب الولايات المتحدة التي تخطط لاستمرار الهيمنة على المنطقة, لحماية مصالحها الخاصة في منطقة حساسة, وبشكل خاص بالنسبة لإمدادات الطاقة المتمثلة في البترول العربي, وحمايتها لإسرائيل التي تعتبر (كلب الحراسة الأمريكي في المنطقة), من هنا كانت محاولاتها دائما لعرقلة هذا التعاون الإقليمي الذي يمكن أن يفتح المجال أمام دول جنوب المتوسط لتجد بديلا اقتصاديا وسياسيا في دول الاتحاد الأوروبي, ويمنح هذا التعاون الإقليمي أجنحة لدول الاتحاد الأوروبي لتفكر في صنع سياسة خاصة بها بعيدا عن الهيمنة الامريكية التي تفرضها على أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. إلا أن إعلان برشلونة كان بداية مشجعة, وكان من الواضح أن مبادئ محددة تم وضعها في هذا الإعلان كان يمكن أن تكون بداية لتنفيذ خطط معينة للتعاون بين بلدان ضفتي المتوسط, الشمالية الأوروبية والجنوبية العربية, يمكن أن تساعد على مزيد من التنمية في بلدان الضفة الجنوبية. لكن توالت اللقاءات بين ممثلي الدول المتوسطية منذ عام ,1995 على مستوى (القمة) التي شارك فيها زعماء تلك البلاد, أو على مستوى وزراء الخارجية والخبراء, وحتى اللقاء الأخير في (مارسيليا) الذي انعقد قبل أيام قليلة, ولم يحدث أي تقدم في تنفيذ أي من الخطط التي تم وضعها على جداول التنفيذ في اللقاءات السابقة, وبشكل خاص تلك التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية في منطقي غرب وشرق المتوسط (المغرب العربي وسوريا والأردن ولبنان وتركيا). بل ان الميزانية المحددة التي تم وضعها للتنفيذ خلال السنوات الخمس الأولى بعد لقاء برشلونة (1995-1999) لم يتم استخدامها فعليا, حيث تم تحجيم استفادة الدول العربية المتوسطية من تلك الميزانية بتخصيص جانب كبير منها لمعالجة الأوضاع المتدهورة في منطقة البلقان, وبشكل خاص في إقليم كوسوفو وألبانيا, في هذا المجال تشير الأرقام إلى أن حجم خطط التعاون التي تم تنفيذها خلال تلك الفترة لا يتجاوز 26 في المائة من حجم الأموال المخصصة, فيما بقي 74 في المائة من تلك الأموال دون استخدام. هذا على الرغم من فرض تخصيص جزء كبير من تلك المخصصات لتمويل مشروعات رأى الجانب الأوروبي أنها عاجلة لدفع منطقة دول البلقان للخروج من الأزمة التي دفعتها إليها الحروب العرقية في يوغسلافيا, مما حرم دول جنوب المتوسط من الاستفادة من تلك المخصصات في تمويل برامج بديلة تهدف إلى زيادة التعاون مع جنوب المتوسط. لذلك يرى المراقبون أنه من غير المتوقع أن يتم استخدام مخصصات المرحلة المقبلة بالكامل (الفترة من 2000 إلى 2005) والتي تم الاتفاق عليها في قمة مارسليا, والتي رصد لها مبلغ خمسة مليارات و350 مليون يورو, والتي تقرر أن توجه لتمويل برامج لخلق تنمية اقتصادية وثقافية في دول جنوب المتوسط, لخلق مناطق جذب لسكان تلك المناطق, وبذلك يمكن الحد من الهجرة البشرية إلى الشمال, والتي أصبحت تمثل مشكلة حقيقية لدول شمال المتوسط التي واجهت وتواجه موجات هجرة كبيرة من المغرب عبر مضيق جبل طارق, ومن تونس وتركيا باتجاه الشواطئ الإيطالية. يرى المراقبون أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نقص المخصصات, أو المجالات التي يمكن أن توجه إليها الأموال المرصودة, بقدر نقص الخبرة لدى الأفراد الذين ترشحهم دولهم لوضع برامج محددة قابلة للتنفيذ, أو لافتقاد هؤلاء الأفراد للخبرة الكافية لتنفيذ الأعمال المطلوب تنفيذها, إضافة إلى تضارب العمل بين الجهات المختلفة التي يجب أن تمر به تلك المخصصات مما يعيق تنفيذ تلك البرامج ويعرقل الاستفادة منها, ويضعون مثالا على هذا أن بعض دول جنوب المتوسط المشاركة في لقاء مارسيليا لم تقدم برنامجا واحدا تحدد فيه احتياجاتها من برامج التنمية واستغلال الميزانيات المخصصة لتمويل هذه البرامج, على الرغم من حاجتها إلى برامج التنمية الموضوعة في الخطة العامة, ومن الجانب الأوروبي برز واضحا عدم وجود رؤية محددة لدى العاملين الأوروبيين المشرفين على تنفيذ البرامج المتفق عليها فعلا, ومنها البرامج الخاصة بإقليم (كوسوفو) بعد توقف الحرب هناك, وهي برامج كانت مخصصة لإقامة المؤسسات المنوط بها الأمن والعدالة في الإقليم. لذلك يرى المراقبون أنه من اجل الوصول إلى تفعيل (فكرة المتوسطية), من المطلوب أن تلفت الدول المشاركة, وبشكل خاص تلك الدول التي تنتمي إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط باعتبارها الدول الممولة لبرامج التنمية المتفق عليها, إلى هذه النقاط الحساسة ومحاولة معالجتها وذلك من خلال: 1- إعداد العاملين المدربين والخبراء القادرين على وضع برامج قابلة للتنفيذ في جميع المجالات التي تحتاجها دول الجنوب والتي يتم الاتفاق على تنفيذها بين الجانبين, الجانب الممول والجانب المستفيد. 2- زيادة عدد العاملين في تلك البرامج التي تمت الموافقة عليها في الجانب الأوروبي وتخفيض عدد المشرفين منهم في الدول المنفذة حتى لا يكونوا عبئا على مخصصات تلك البرامج. 3- تبسيط الإجراءات التي يجب اتخاذها في تخصيص الأموال والإنفاق مع ضبط الرقابة عليها حتى يمكن أن يتم صرف تلك المخصصات في البرامج التي رصدها من اجلها. 4- وضع نظام معين ومحدد لتنظيم دورات تدريبية للعاملين الذين يباشرون تنفيذ البرامج في دول الجنوب, ومساعدتهم على وضع تلك البرامج موضع التنفيذ. حتى يمكن الوصول إلى حد أدنى من الفعالية في هذا المجال, على الدول الأوروبية أن تنظر إلى برامج التنمية في دول الجنوب على أنها موجهة لدفع عجلة التنمية, وليست مجرد وسيلة لتوظيف خبرائها في دول أخرى, لأن هذه الرؤية تحد من فعالية تلك البرامج, خاصة أن أكثر الموظفين والخبراء الذين تفرضهم الدول الأوروبية على دول الجنوب لا علاقة لهم ببرامج التنمية, وليسوا سوى مقربين من الأحزاب الحاكمة ولا يهدف توظيفهم إلا الاستفادة المادية من تلك البرامج, أي أنها بطالة مقنعة تضاف كعبء جديد على أعباء التنمية في دول الجنوب. أما بالنسبة لدول جنوب المتوسط, من المطلوب أن تحدد احتياجاتها من تلك البرامج, وتحاول أن تضع خططا وبرامج محددة تتقدم بها في كل لقاء, وعليها أيضا أن تحسن اختيار العاملين في تلك البرامج على أسس علمية, وتدريبهم على وضع وتنفيذ البرامج التي تغطي الاحتياجات الخاصة بكل بلد, و ألا تستخدم تلك البرامج لمكافأة المقربين من الأنظمة الحاكمة, وذلك من أجل فعالية اكبر في الاستفادة من المنح المالية في إطار المتوسطية, لأن هذه المنح تصب في النهاية في خدمة مجالات التنمية التي تحتاجها مناطق محرومة من الخدمات في تلك الدول, والتي تعجز عن القيام بها بسبب نقص السيولة النقدية, خاصة إذا كانت هذه التنمية تتطلب استيراد أدوات معينة, لأن هذه البرامج توفر تلك الأدوات. بعد لقاء مارسيليا أصبحت فكرة المتوسطية في حاجة إلى إعادة نظر من جانب جميع الأطراف, لأن الفكرة (كبيرة) ويمكن أن يكون لها انعكاساتها الإيجابية على الجانبين, جنوب وشمال البحر المتوسط, لكن النتائج التي تم التوصل إليها, أو نتجت عن تلك اللقاءات لا تزال بعيدة جدا عن تحقيق الهدف منها. * كاتب مصري مقيم في إسبانيا