اصدر قاسم أمين كتابه (المرأة الجديدة) سنة ,1900 اي منذ مئة عام على وجه التحديد, وذلك بعد عام واحد على صدور كتاب (تحرير المرأة) الذي يتكامل مع كتاب (المرأة الجديدة) في صياغة مشروع جذري، لتطوير اوضاع المرأة العربية, وتتمثل جذرية هذا المشروع في انه لم يختصر قضية المرأة في جانب فحسب من جوانب الاصلاح الثقافي, كالتعليم مثلاً, ولم يدع الى مطالب اجتماعية جزئية تتصل بالحجاب, او اعادة النظر في الحق المطلق للرجل في الطلاق, او تقييد نظام تعدد الزوجات وما أشبه وانما صاغ ذلك كله وغيره في رؤية جذرية, شاملة, متكاملة, لعملية تحرير المرأة, فكرياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً, وهي تقوم على خمسة مبادئ لم تفقد فاعليتها رغم مضي قرن على صياغتها. أول هذه المبادئ: ان الدين الاسلامي ــ بوصفه دين الأغلبية ــ لا يقف حجر عثرة في تقدم المرأة, او المضي في حركة تحريرها, ولا يراها ادنى فكرياً من الرجل, ولا يمنع عنها حقوقها الاجتماعية او الاقتصادية او السياسية او الثقافية, الا في التأويلات الجامدة والتفسيرات المتزمتة التي شاعت في عصور التخلف والعقم, وأزمنة الهزيمة والاستبداد. وثاني هذه المبادئ: ان الخطوة الاولى في تحرير المرأة هي فتح الأبواب لتعليمها وتثقيفها منذ الصغر, وذلك بما يستبدل في وعيها أولوية الاجتهاد بأولوية التقليد, وانفتاح العقل بانغلاق النقل, وحيوية التسامح بجمود التعصب, والحضور الفاعل, المنفتح على العالم المتقدم بدل الانعزال والتقوقع. وثالث هذه المبادئ: ان قضية تحرير المرأة قضية (مدنية) لا تتعارض او تتناقض مع الأديان السماوية في نقائها, أو القيم الروحية الأصيلة في سماحتها, ولكنها تبقى قضية مدنية بالدرجة الاولى, ما ظلت هي الشرط الاول لتطور المجتمع المدني واكتسابه صفات التقدم, ويعني ذلك ان قضية تحرير المرأة موصولة بكل قضايا المجتمع المدني ومشروطة بها في الوقت نفسه. ورابع هذه المبادئ: ان تقدم المرأة في المجتمع المدني لا ينبغي ان يتم على سند من الماضي في كل الاحوال, فالماضي يجمع أزمنة من الجمود والتخلف الى جانب أزمنة القوة والازدهار, والقديم لا يصلح دائماً, او على نحو مطلق, لكل الأوضاع المتحولة في تعقدها المعاصر او شروطها الحديثة, والأهم من القياس على الماضي هو القياس على الحاضر الذي يتحرك الى الأمام, ومن ثم قياس تقدم المرأة العربية على ما حققته المرأة في كل الأقطار المتقدمة, وعلى أساس من امكانات المستقبل الذي ترجوه الطليعة النسائية العربية في واقعها المتعين. وخامس هذه المبادئ وآخرها: ان تحرير المرأة لا ينفصل عن تحرير الرجل, وجزء لا يتجزأ من تحرير المجتمع, في جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية, ولذلك كان قاسم أمين يؤكد ان تخلف المرأة اصل تخلف المجتمع كله, وان عبوديتها الاجتماعية من عبودية الرجل, ورقها السياسي من استعباد الرجل بواسطة حكومات التسلط, وانه (حينما تتمتع النساء بحريتهن الشخصية يتمتع الرجال بحريتهم السياسية, فالحالتان مرتبطتان ارتباطاً كلياً). هذه المبادئ لم تفقد مصداقيتها الى اليوم, وتستحق التأمل المجدد من حيث هي مبادئ حية, يلزم تأكيدها في هذه الايام التي تسعى فيها غربان الظلام الى اعادة المرأة الى أزمنة الحريم وقيود القمع الاجتماعي والجنسي والفكري, وهي, فضلاً عن ذلك, مبادئ يمكن ان ننطلق منها الى ما بعدها على طريق التقدم الصاعد لحركة تحرير المرأة العربية, ولذلك فنحن لا نسترجعها بوصفها اصلاً يحتذى دون مراجعة, وانما نسترجعها لنعيد قراءة مشروع قاسم أمين في علاقته بعصره, ومن منظور عصرنا نحن, وترتيب اولويات الزمن الذي نحياه, لا لكي ننتهي الى ما انتهى اليه منذ مئة عام, وانما لكي نبدأ من حيث انتهى هو, ومن حيث انتهت اليه حركة تحرير المرأة بعده, يفرض علينا ذلك مرور قرن بأكمله, تحقق فيه ما فاق توقعات قاسم أمين, وجاوز خياله, على مستويات الايجاب والسلب معاً, ويفرض علينا ذلك ان القرن الذي استهله كتاب (تحرير المرأة) استدار بالفعل, وأخذ يدخل مدار الماضي, تاركاً موضعه ــ في التاريخ ــ لقرن جديد, قرن واعد بشروط مغايرة وعلاقات مختلفة, خصوصاً بعد ان تحول كوكبنا الارضي الى قرية كونية لا يمكن لأحد ان ينعزل فيها, او يتباطأ في حركة ايقاعها المتسارع, هذا الوضع يحتم مراجعة كل شيء, والانطلاق من مبادئ مشروع قاسم أمين في تحرير المرأة, بوصفها نقطة من نقاط البداية لا النهاية, ولذلك, فإن وضع مبادئ هذا المشروع موضع التحليل والدرس والنقد, في هذا المؤتمر, مسألة لا تقل في اهميتها عن أهمية مساءلة المشاريع اللاحقة. لقد كان مشروع قاسم امين خلاصة متقدمة, وتتويجاً فكرياً صاعداً, لكل ما سبقه من جهود اصلاحية, تواصلت طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر, جهود اسهمت فيها, الى جانب امثال رفاعة الطهطاوي في مصر, وبطرس البستاني في لبنان, رائدات من طراز عائشة التيمورية, وزينب فواز, وهند نوفل, ولبيبة هاشم وغيرهن وبالقدر نفسه, كان مشروع قاسم امين علامة حاسمة على بداية قرن جديد من انجازات المرأة الجديدة التي لم تتوقف عن اثبات حضورها, والدفاع عن حقوقها, طوال هذا القرن العشرين الذي ينتهي بعد شهر لا غير, ولم يكن من قبيل المصادفة ان تنشأ الجامعة المصرية بعد تسع سنوات فحسب من صدور كتاب (تحرير المرأة), وثماني سنوات من كتاب (المرأة الجديدة), ولم يكن من قبيل المصادفة كذلك ان تطلب هدى شعراوي من مجلس ادارة هذه الجامعة, في العام التالي لانشائها, ان يسمح للمرأة بإلقاء محاضرات على النساء, فيوافق مجلس ادارة الجامعة التي اسهم قاسم أمين في انشائها وتكون هذه الخطوة البداية الجامعية لتكوين النموذج الواعد للمرأة الجديدة التي سرعان ما تمردت على حجابها, وخلعته عن وجهها بعد عشر سنوات فحسب من افتتاح الجامعة المصرية, وكان ذلك اثناء ثورة 1919 التي كانت بداية الاسهام السياسي للمرأة المصرية العربية في الحياة العامة, وبداية تحررها الاجتماعي, في فعل تمردها الخلاق الذي لم يتوقف الى اليوم, رغم المصاعب والعقبات والاخطار والتحديات. ولا شك ان وقوف (المرأة الجديدة) على عتبة القرن الواحد والعشرين, والألفية الثالثة للميلاد, يحتم عليها ان تسترجع انجازاتها طوال قرن من الزمان, وتأخذ من صيغ الماضي وصيغ الحاضر, في فعل تحررها المتجدد, ما يسهم بالايجاب في صياغة رؤيتها المستقبلية, وما يدخلها بخطى ثابتة ورأس مرفوعة, عوالم القرن المقبل بوعود احلامه وكوابيسه على السواء.