الجاسوسية في القرن 21 ، تحديات جديدة أمام أجهزة المخابرات 1، بقلم: محمد الخولي

في ذروة (اشتعال) الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب حيث دام هذا (الاندلاع على البارد) نحوا من نصف قرن كان دعاة السلام يلوحون بأعلام الرخاء بديلا عن التقشف وأعلام توجيه ميزانيات ، الحرب الى حيث تحقق الترف والكماليات والازدهار.. لدرجة أن صاغوا منذ عقد التسعينيات الماضي تعبيرهم الشهير: أرباح السلام. يومها كان الدعاة المذكورون أعلاه يفركون أيديهم طربا وهم يستمعون الى الخطاب السياسي الذي اعتمده جورباتشوف آخر من جلس في كرسي الرئاسة بالكرملين السوفييتي.. وكان صاحبنا يبشر العالم وقتها بأن الحرب الباردة موشكة على أن تضع أوزارها. يومها بدأ ساسة الغرب وشعوبه يحلمون بتوفير الميزانيات أو بالقليل القليل تقليص الاعتمادات التي طالما كرسوها مخصصة لأغراض سباقات التسلح بين الغرب والشرق عامة, وبين واشنطن وموسكو على وجه الخصوص. وفي اطار ميزانيات التسلح وبنود الدفاع, كانوا يعللون أنفسهم أيضا بأمنيات تفيد أو تطمح الى تقليل الاعتمادات المرصودة لأغراض الجاسوسية ومكافحة الجاسوسية. جاسوسية العمالقة ولقد تابع الكثيرون وقائع بل معارك سباق الجاسوسية الذي ظل محتدما على مدار عقود من الزمن بين معسكري الشرق والغرب وشارك فيه على وجه التحديد وكالات تجسسية كان على رأسها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وهيئة المخابرات البريطانية وطبعا لجنة أمن الدولة المعروفة بالـ كي.جي.بي السوفييتية فضلا عن مخابرات المانيا الشرقية والمكتب الثاني الفرنسي وغيرها. مع هذا كله فلم يتحقق أي من تلك الأمنيات ميزانية الاستخبارات قد وصلت في أمريكا مثلا الى 30 مليار دولار في عام 2000 الحالي وكم عقدوا الآمال على تخفيضات جذرية وسخية تطرأ عليها وهو الأمر الذي لم يحدث. وكل ما هنالك هو أن أمريكا التي تعودت في الماضي على تخصيص نسبة 65 الى 75 في المئة من ميزانيتها الاستخبارية للأغراض التجسسية على غريمها السابق الاتحاد السوفييتي, عمدت مع منتصف التسعينيات الى تقليل النسبة المنفقة للتجسس على روسيا لتصبح مجرد 15 في المئة من مجمل النفقات وهو ما يكاد يوازي رياضيا حجم روسيا الجديدة ومبلغ أهميتها ومدى خطرها ما بين عهد يلتسين الى عهد بوتين. * أين إذن تذهب الاعتمادات الأخرى التي مابرحت طائلة في ميزانية الاستخبارات الأمريكية نسبة 85 في المئة أي نحو 25 مليارا من الدولارات؟ ــ تذهب الى حيث مكافحة تحديات واخطار مستجدة على البيئة العالمية وتستحق بحكم فداحتها مواصلة الأهداف التجسسية من أجهزة المخابرات في الغرب وفي الشرق على السواء. هذه الأخطار الجديدة يصفها جيمس وولسي المدير السابق للمخابرات المركزية الأمريكية بعبارة قال فيها: إنها تشكيلة مربكة ومحيرة من الأفاعي التي تنفث السم الزعاف. وكر الثعابين وهذه الثعابين السامة التي باتت تهدد العالم, كل العالم بأخطارها تفسرها دراسة شاملة بقلم البروفيسور لوش جونسون أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجيا بالولايات المتحدة في العناصر التالية: إنها تجمع بين الارهاب والمخدرات وبين انتشار أسلحة التدمير الشامل, واندلاع نزاعات التعصب العنصري والصراعات العرقية الشعوبية الاثنية فضلا عن سلوكيات النزاع في أنماطها التقليدية التي طالما عرفتها الأوضاع التقليدية سواء داخل الدولة الواحدة أو فيما بين دولتين أو مجموعتين من الدول (الدراسة منشورة تحت عنوان الجواسيس أنظر مجلة السياسة الدولية فورين بوليسي عدد أكتوبر 2000). ولقد يلفت أنظارنا تلك القاعدة العامة التي تراعيها معظم دول العالم وتبادر في اطارها الى تخصيص نسبة تتراوح بين خمسة وعشرة في المائة من ميزانياتها الدفاعية, لأغراض الاستخبارات بما تنطوي عليه من عمليات تجسس وجمع المعلومات من المصادر السرية أو تجميعها من مصادر علنية, اضافة الى جهود تحليلها وتفسيرها ورسم تقديرات الموقف على أساسها دع عنك جهودها في مجال الدفاع الذاتي ممثلة في عمليات مكافحة الجاسوسية لدرء أخطار كشف أسرارها على يد البصاصين المحترفين إن أجزنا استخدام مصطلح الزمان القديم. أخطار عابرة للحدود وفي ظل شعار (مواجهة التحديات الجديدة) طرأت تغييرات على التوجهات الرئيسية, ومن ثم الاعتمادات المالية لكبرى وكالات الاستخبارات الغربية: دائرة المعلومات السرية البريطانية مثلا كانت تخصص 37% من موازنتها أيام الحرب الباردة للتجسس على الاتحاد السوفييتي ولمكافحة جواسيس الكي.جي.بي الروس الذين بلغت كفاءة بعضهم مبلغ الأساطير. وها هي تعود في عام 1994 وبعد غياب الدب السوفييتي عن مسرح الأحداث فتخصص 15 في المئة من تلك الميزانية لأغراض جمع المعلومات عن روسيا في صيغتها الجديدة إذ هي منهكة القوى ومقلمة الأظفار. في نفس الوقت تعمد المخابرات البريطانية الى تخصيص نسبة 40 في المائة من ميزانيتها الطائلة لأغراض مكافحة الاتجار في المخدرات وتهريبها وترويجها ومكافحة الارهاب (وخاصة النابع من أيرلندا الشمالية) والتصدي لما تسميه بريطانيا بانتشار الأسلحة ثم مكافحة غسل الأموال (ذات المصادر غير المشروعة بطبيعة الحال). وبديهي أن معظم هذه الأخطار يصدق عليها وصف العابر للحدود أو (المتعدد الجنسيات) والمشكلة أنها تعبر حدود الدول ثم تصبح جزءا عضويا لا يتجزأ من مشاكلها المحلية ومن صراعاتها الداخلية. وفي هذا الصدد يقول (أرنست أورالو) رئيس المخابرات الألمانية: نحن نلاحظ (يعني طبعا أهل الصنعة) ارتباطا متزايدا بين القضايا العابرة للحدود وبين الصراعات الداخلية والنزاعات الثنائية. ويساق في هذا المضمار نموذج بلد اسمه ناميبيا.. في منطقة الجنوب الافريقي. كان بلدا واعيا بكل المقاييس.. ناضل سنوات طويلة كي ينال استقلاله عن جنوب افريقيا بقيادة حركة تحرير وزعامة سام نجوما, وبدعم من المجتمع الدولي ممثلا في منظمة الأمم المتحدة حتى انتزع استقلاله من براثن الظروف في عام 1990. لكن بعد سبع سنوات من نشوة الاستقلال اضطرت حكومة ناميبيا الى انشاء هيئة مخابرات مركزية خاصة بها.. وفي مواجهة التساؤلات والاعتراضات ساقت ناميبيا مبررات هذا الانشاء قائلة: - نحن بعد إذنكم نواجه مشاكل وتحديات خطيرة منها الارهاب والصراع العرقي والاتجار بالمخدرات وبالأسلحة. فضلا عن تجارة غير مشروعة بالماس بوصفه وسيلة لتمويل تأجيج الحروب الأهلية والحروب الاقليمية بما ينجم عن ذلك كله من اعاقة للتنمية ودمار لصحة البشر ونفسيتهم ومواردهم على السواء. الراعي والذئب والبيروقراطية ورغم أن الحكومات قد تعمد الى تضخيم حجم الصراعات وقد لا تتورع عن اطلاق صيحة التحذير من ذئب وهمي على نحو ما ترويه قصة الراعي الشهيرة إلا أن من خطل الرأي التقليل من حجم هذه الأخطار المستجدة على حياة البشر فوق الكرة الأرضية أو التهوين من حدتها ومدى استفحالها. صحيح أن الحكومات قد تبالغ في مدى الخطر أحيانا كي تحصل على ميزانيات أكبر واعتمادات أكثر سخاء, وصحيح أيضا أن من عناصر وأركان البيروقراطيات الحاكمة وخاصة في أقطار العالم الثالث ما يفعل ذلك وعينه, لا على درء الخطر الذي يلحق بالمصالح القومية, بقدر ما أن هذا العين قد تكون مركزة على مغانم يجنيها هذا الفرد المتنفد أو تلك الفئة أو العصبة أو الطغمة المسيطرة من وراء عقود التسليح وانفاقات التجهيز أو الصيانة أو التدريب وما الى ذلك من ضروب التكسب من المناصب والتربح من مواقع السلطة التي تتحول على أيدي مثل هذه العناصر الى تسلط يعشش في جنباته بوم الرشاوى وعناكب السمسرة والعمولات.. لكن الصحيح كذلك أن الأخطار في جملتها ليست أمورا موهومة ولا هي ماثلة في خيال البعض فقط.. بل هي أمور قائمة وحالة (اعلام مشددة) بحكم الأمر الواقع. ميراث التسعينيات هذا الواقع يشي بأن عقد التسعينيات المنقضي شهد وحده اندلاع حرب الخليج الثانية في الشرق الأوسط واشتعال اوار الصراع العرقي الطائفي الدموي في منطقة البلقان وقيام صراعات داخلية في تيمور الشرقية وحرب أهلية في جمهورية الكونغو, ناهيك عما شهدته رواندا وبوروندي من قتال جاء في معظمه على شكل مذابح جماعية بين قبائل الهوتو والتوتسي حتى ليطبق عليها أركان جريمة الابادة الجماعية لاستئصال البشر (جينو سايد). هذا العقد التسعيني كان معقد آمال الكثيرين بحكم حلوله بعد انتهاء صراع الحرب الباردة لكي تغل سنواته ما سبق وصفه بأنه أرباح السلام التي كانت كفيلة لو تحققت بأن تحول مغارم التسلح الى مغانم تعود على الناس بالخير والتنمية واستئصال الفقر وادماج المهمشين والمحرومين والمستبعدين والمنبوذين ضمن المسار الرئيسي الذي يفضي الى التقدم والوفرة والازدهار. لكن التسعينيات هي, وليس غيرها, التي شهدت أيضا اجراء كوريا الشمالية تجاربها على صواريخ طويلة المدى وتعرض السفارات والممثليات الأمريكية لأعمال قصف ونسف في أكثر من عاصمة آسيوية وافريقية وشهدت كذلك جماعة أوم شنريكو اليابانية وهي تطلق قاذفات غاز الأعصاب القاتل (سارين) في مترو الأنفاق بالعاصمة طوكيو كما شهدت قيام كل من الهند وباكستان باجراء اختبارات نووية بما أدى الى زعزعة الاستقرار في شبه القارة الهندية. وليس للمحلل السياسي فوق هذا كله, وقبل هذا كله أن ينسى أن كلا من روسيا وأمريكا رغم انتهاء الحرب الباردة ما زالت مسلحة بل مدججة بكميات من الصواريخ ذات الرؤوس النووية بما يكفي كما يؤكد الخبراء لأن يفني كل منهما الآخر في غضون نصف ساعة فقط لا غير.. وقد نضيف الى هذا التحليل أيضا خطرا ماثلا وإن يكن مستترا وسط كواليس السياسة الدولية ويتمثل في أن كثيرا من الأسرار النووية والمواد النووية أو التي توصل الى تصنيع وحيازة الأجهزة والأسلحة النووية وخاصة في اطار حالة الفوضى الضارية أطنابها في بنية روسيا الجديدة وفي بعض الجمهورية السوفييتية سابقا هذه الحالة من الفوضى يمكن أن تضع هذه المواد النووية في أياد إما غير مسئولة أو في أياد طامعة جشعة متطلعة الى حالة الثراء الطائل الخاطف ومن بعدها الطوفان وهو ما يفرض على الجهات والقوى المعنية أن تتابع خط سير آثار حركة هذه المواد السوبر الخطرة وإلا حاقت بالعالم أو ببعض مناطقه كوارث لا يعلم بها إلا الله سبحانه. حالة عدم اليقين كل هذه الأخطار خلفت حالة يصفها المراقبون السياسيون في كلمتين أساسيتين.. عدم اليقين. والعبارة تتردد كثيرا في الأدبيات الصادرة عن منظومة الأمم المتحدة سواء في مجال الاقتصاد أو في مجالات السياسة والعلاقات الاقليمية والدولية.. وتنصرف بداهة الى حالة التخبط أو الانكشاف أمام مؤثرات شتى, بعضها غير منظور, وبعضها يستعصي إما على الرصد أو المتابعة بل وأحيانا على السيطرة في الأساس. في هذه الحالة لم تعد المعرفة والمعلومات والبيانات أمرا مفضلا بل باتت ضرورة تتزايد حيويتها وحتميتها يوما بعد يوم. وجاءت العولمة ثم جاءت ظاهرة العولمة التي أودعها عقد التسعينيات الفائت بين يدي هذا العقد الأول الراهن أو الوشيك من القرن الحادي والعشرين.. جاءت العولمة بخيرها الذي جسدته ثورة الاتصالات وطفرة الحواسيب وقفزة الالكترونيات. لكنها جاءت أيضا بشرها وسلبياتها ممثلة في اتساع نطاق التعرض أو التأثر أو الانكشاف امام عوامل وقوى وتدابير بل ومخططات ومؤامرات تدار وتأتي من خارج الحدود.. ولا سبيل الى درء هذا الخطر إلا بالعمل على توفير أحدث وأنجح وأكفأ وأحدث المعلومات من مصادرها كافة.. وسواء كان السياق متعلقا بمفاوضات تجارية وعقودها في زمن العولمة زادت تعقيدا وتشابكا ثم زادت من حيث الحجم لتصل الى خانة المليارات, أو كان الأمر متعلقا بالصراع الساخن الدموي في ساحات المعارك ممثلا في الحروب الأهلية الداخلية أو في الحروب الاقليمية الجهوية.. ففي كل هذه الحالات أصبحت المعلومة مطلبا منشودا بشرط أن تكون موثوقة وتشكل انفرادا للطرف الذي يحصل عليها, فيما تكون محجوبة عن الطرف الآخر في معادلات الصراع حتى ليصدق القول بأن عمليات التجسس زادت حجما وكثافة بعد انتهاء الحرب الباردة.. وحين كان القوم يتوقعون تناقصها وربما كان البعض يتوقع لها أن تظل دون حيز متواضع أو ضئيل. وتورد دراسة مجلة (الفورين بوليسي) التي نحيل اليها في هذا المبحث احصائية طريفة وموثقة تقول فيها: في عام 0199 كان عدد أجهزة وحملات وعمليات التصنت التي باشرتها هيئات المخابرات في أمريكا هو 595 عملية.. وما لبث هذا الرقم أن ارتفع في عام 1999 ليصل الى 880 عملية تمت على يد عملاء الاستخبارات وكان معظمها كما تقول الدراسة موجها الى عناصر مشتبه بانتمائها الى جماعات ارهابية أو مشتبه باشتغالها ضمن عصابات تهريب المخدرات على المستوى الدولي. ولا يزال ملف الجاسوسية مفتوحا. * كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات