أبجديات ، بقلم : عائشة ابراهيم سلطان

في بعض البلدان النامية قد يفقد الانسان اكثر من وظيفته اذا استفسر عن أوضاع بعض المسئولين او ثروات بعض الرؤساء, او حاول البحث عن السر في وصول بعض الاشخاص الى وظائف معينة دون مؤهلات تذكر سوى مؤهل واحد هو اتقان فن الوصول السريع (في موزمبيق قتل صحفي وقطع لسان مذيع!). ولن نكون متحاملين على بلدان العالم النامي, فالفساد عالمي الجنسية لا يختص بثقافة معينة او بلد محدد, لكنه يزيد وينقص وينتشر ويكون محدوداً بحسب سلطة القانون وسيطرة اجهزة الرقابة المجتمعية, ومدى انتشار الثقافة الديمقراطية الحقيقية التي تنتهج اسلوب الرقابة والمتابعة والمساءلة على طريقة (من أين لك هذا؟) وعليه فإن استغلال السلطة والاثراء المبالغ فيه من جراء سرقة المال العام ظواهر تنمو بشكل اوضح واسرع في بلدان الفوضى السياسية, وهي لا تنمو من فراغ, انها حالة مجتمع, يفرزها, وينميها, واحياناً يكافئ اصحابها في حفلات باذخة! كلنا يتذكر سوهارتو الذي اكتشف ان ثروته بعد الانقلاب تقدر بـ 45 مليار دولار عداً ونقداً حسب تقديرات المتابعين والمحللين للحدث الاندونيسي يومها, واذا كان سوهارتو قد حكم 33 عاماً فمعنى ذلك انه راكم ثروته هذه بما يعادل مليارا و400 مليون دولار سنوياً, لكنه حين سئل عن مصدر ثروته على طريقة من أين لك هذا؟ أجاب: انها تراكم جيد لمدخراتي من راتبي الرئاسي الشهري, اجابة طبيعية لمنطق ديكتاتوري يفترض غباء المواطن دائماً ويلغي شروطه الانسانية جهرا ويسرق حقه علانية. في افريقيا عرف العالم واحداً من اغنى الرجال على الاطلاق هو موبوتو سيسيكو الذي حكم واحدة من افقر دول العالم هي زائير التي برغم كل مآزقها وفقر المواطن الزائيري فيها, وبرغم محاكم التعذيب والقتل والاختفاء الا ان هذا لم يمنع موبوتو ورجاله من ان يملكوا المليارات بعيداً عن زائير وان تكون له ولهم فنادق وقلاع وشقق فاخرة في بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة, فهل كان راتب موبوتو الشهري ايضاً قد راكم كل هذا الثراء الفاحش؟ ان موبوتو كما يقول (اروين بلومنتال) وهو مصرفي الماني ارسل الى زائير بواسطة صندوق النقد الدولي قد حصل على ثروته عن طريق السرقة حيث ان 18% من الميزانية القومية لزائير كانت تخصص بصورة روتينية لاستخدام موبوتو الشخصي. في هاييتي يتكرر المشهد نفسه حيث تأتي المعونات الامريكية والغربية لهذا البلد, لكن كما يقول (جراهام هانكوك) في كتابه (سادة الفقر) فإن المهمة الرئيسية لهذه المعونات على ما يبدو هي تمويل المصابين بداء السرقة, حيث قام صندوق النقد بدفع 22 مليون دولار لخزينة هاييتي ذات عام وبعد يومين اكتشف فريق من خبراء الصندوق ان الرئيس سحب 20 مليوناً من هذا المال لاستخدامه الشخصي. الديكتاتورية لا تنمو في الفراغ, والديكتاتوريون يكونون طبقة اخرى حامية للطغيان ومن ثم يساندونها كي تحمي طغيانهم, لهذا يقولون بأن هناك وظيفة رفيعة المستوى في كثير من دول العالم النامي مهمة اصحابها حراسة الفساد والدفاع عنه وتمكين كل الضمانات لاستمراره, هؤلاء يسميهم علماء الادارة (حراس) او صناع الديكتاتورية الذين يتسلقون أرفع المناصب بدون وجه حق!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات