الصراع بين العرب والاسرائيليين, طويل ومرير, ولا هوادة فيه, سواء كان الطرفان يبحران في قارب التفاوض سعياً وراء التسوية السلمية, او حينما يخوضان غمار حرب شاملة, او اذا انخرطا في معترك كفاح مسلح بطىء ومحدود النطاق. ويختلف شكل الصراع وأدواته, حسب كل حالة من الحالات المذكورة. ولا يمكن للمواجهة ان تهدأ وتلين لها قناة, او ان تضع اوزارها بصورة نهائية, الا عندما يتخذ الوضع في الشرق الاوسط شكله الصحيح والمنطقي والمعقول. وهذا يعني في نظري قيام دولة عربية واحدة يعيش فيها اليهود كأقلية مثل باقي الأقليات, دون ان تكون لهم صفة الدولة. وهذا أمر غير وارد من الناحية العملية في المستقبل المنظور. وكل ما نستطيع ان نأمله في المرحلة الحالية, انبثاق سلام عادل ومنصف وقابل للاستمرار. وسواء سعينا الى ذلك, بالتفاوض او بالكفاح المسلح, فإننا لن نفلح الا اذا استخدمنا طرقا جديدة في المواجهة. فقد ثبت ان معظم ممارساتنا التقليدية السابقة لم تجد فتيلاً في ايصالنا الى ما نصبو اليه. وفي الاساس, فان حقنا المشروع, يتراوح بين اعادة فلسطين والجولان كاملتين الى اصحابهما, وبين الانسحاب من الاراضي المحتلة في حرب يونيو. واذا كان الاحتمال الاول, هو المنطقي والعادل, فان الاحتمال الثاني هو الممكن والواقعي, خلال الجيل الحالي. والامر بالطبع, لا يتعلق بما نريده, وبما هو صحيح, بقدر ما يرتبط بما نستطيع تحقيقه بالفعل. فالقضاء على الدولة العبرية, الان, هو بمثابة اضغاث احلام وقصور في الهواء, لان هذه الدولة مدججة بأحدث انواع الاسلحة. وهي مستعدة حتى لاستخدام القنبلة الذرية اذا شعرت ان كيانها على وشك الزوال. وكلنا نعرف ان الولايات المتحدة تقدم لاسرائيل معدات حربية تحقق توازناً في القوى بينها وبين جميع الدول العربية. وهذا يجعل اسرائيل في موقف الاقوى, لانها تستطيع تجميع كل قوتها العسكرية الضارية في اي وقت, في حين ان القوات العربية مبعثرة, ويستحيل تجميعها خلال فترة معقولة. وحتى اذا افترضنا ان العرب استطاعوا ان يطبقوا فجأة على اسرائيل ويقتربوا من تحقيق النصر النهائي عليها, فان امريكا سوف تتدخل علنا وبشكل سافر لمنع حدوث ذلك, نظرا لان مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى تقتضي الحفاظ على وجود كيان يهودي في قلب الوطن العربي. لذلك, فان علينا ان نضرب صفحاً عن فكرة استئصال الدولة العبرية من الوجود في الوقت الحاضر, وان كانت هذه الفكرة مازالت تراود بعض العرب. واعتقد ان من العبث التفكير ضمن هذا المنحى, الا عندما نقضي على التخلف ونحقق الديمقراطية وتسود لدينا مؤسسات المجتمع المدني وينشأ في ربوعنا انسان عربي جديد واع ومستعد للتضحية بمصالحه الخاصة من اجل مصلحة الوطن. وهذه امور مازالت بعيدة المنال للاسف. واذا اردنا ان نكون واقعيين ومتكيفين مع التوجهات العالمية المعاصرة وسياسات دول النظام العالمي الجديد التي تسعى الى حل جميع المشكلات الاقليمية في العالم, فان علينا ان نسعى الى تسوية سلمية عادلة تعيد الينا كامل الضفة الغربية ومرتفعات الجولان, وتضمن حق العودة, وقيام دولة فلسطينية مستقلة في اقتصادها وأمنها ولا تعتمد على اسرائيل, وخالية من المستوطنات والمستوطنين. ولا يمكن للدولة العبرية ان تنصاع لمثل هذا الحل وتقبل به, الا اذا تعرضت لضغوط هائلة. فهي مازالت تميل الى الاحتفاظ ببعض الاراضي التي احتلتها بالقوة في حرب يونيو, بحجة الحفاظ على امنها, مع ان التجارب اثبتت ان الصواريخ بعيدة المدى يمكن ان تطال اية بقعة من الاراضي الاسرائيلية. وبالتالي, فان مزيداً من الارض لا يمكن ان يحميها من نيران هذه الصواريخ المتوافرة لدى عدة دول عربية. وكما اسلفت, فان الضغط الفلسطيني والعربي والاسلامي المتواصل والمستمر هو وحده الكفيل بتغيير النزعة الاسرائيلية التوسعية. ولكن لسوء الحظ, فان العرب قد اعتادوا لفترة طويلة من الزمن, على استجداء الضغوط الدولية والامريكية على اسرائيل, من اجل استعادة حقوقهم. وقد ثبت الان ان هذه الضغوط ليست كافية. ولحسن الحظ ان بعض العرب, قد وعوا هذه الحقيقة, فكان ما كان في جنوبي لبنان, وفي الانتفاضتين المباركتين الاولى والثانية. وقد تم مؤخراً اتخاذ بعض الخطوات المفيدة مثل قطع عدة دول عربية لعلاقاتها مع اسرائيل, وسحب مصر والاردن سفيريها من هناك, وتقديم معونات مالية للسلطة الفلسطينية دعما للانتفاضة. وصحيح ان هذا يعد اقل مما نتطلع اليه ونأمل به, الا انه يشكل عامل ضغط لا يمكن نكرانه. ولاشك ان من المفيد ايضا تنشيط مكاتب مقاطعة اسرائيل ووضع اسماء الشركات التي تتعامل مع العدو في القائمة السوداء. كما ان من الضروري الضغط على موريتانيا ودول اسلامية اخرى, حتى تحذو حذو المغرب وعمان وقطر في قطع علاقاتها مع اسرائيل. ان العرب يعون جيدا ان كسب معركتهم مع اسرائيل, سواء في حالة التفاوض, او الصراع المسلح, ليس بالامر اليسير. ولكن هناك حقائق وعبر كثيرة يتوجب علينا ان نعيها ونتمثلها, حتى نتمكن من تغليب كفة الميزان لصالحنا. واولى هذه الحقائق, ان من الضروري الافادة من تجارب ودروس الثورة الجزائرية والنضال في جنوبي لبنان والانتفاضتين الاولى والثانية, واستخلاص العبر منها للخروج باستراتيجية جديدة للكفاح الطويل القابل عملياً للاستمرار الى ان يستجيب العدو لمطالبنا المشروعة. والحقيقة الثانية, ان حصر الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين, هو في غير صالحنا, ولابد من توسيع الدائرة حتى تشمل العرب والمسلمين ايضا, ليهم كل طرف بما يستطيع الاسهام به على ارض الواقع. اما الحقيقة الثالثة, فتتمثل في ضرورة الحصول على اكبر دعم دولي ممكن عن طريق توضيح موقفنا القائم على اساس قبولنا بقرارات الامم المتحدة ومرجعية مؤتمر مدريد. فمثل هذا التوضيح, الذي يمكن ان يجري بالطرق الاعلامية والدبلوماسية, كفيل بتجريد اسرائيل من حججها وادعاءاتها بأن العرب يريدون القضاء عليها والقاءها في أعماق البحار. ولكن التأييد الدولي يبقى محدود التأثير. وهناك مثل مفاده (ما حك جسدك مثل ظفرك). وهذا معناه ان خير طريقة للضغط على اسرائيل حتى تستجيب لسلام عادل ودائم, هو ان يقوم الفلسطينيون والعرب والمسلمون بهذا الضغط, بصورة اساسية, مع الاستعانة بالضغوط الدولية بصفة عامل مساعد. مجمل القول, ان نتيجة صراعنا المديد مع اسرائيل سواء اتخذ شكل التفاوض, او الحرب الباردة والمقاطعة, او الكفاح المسلح, تتوقف على مدى ما نستطيع ان نحشد من قوى, ونجمع من طاقات, ونقدم من تضحية, ونبدي من حكمة, لا على ما نتمناه, او نطالب به. وهناك ثلاث درجات لما يمكن ان يسفر عنه الصراع: فاما استئصال شأفة الدولة العبرية على المدى البعيد جدا, او تحقيق حل وسط يتمثل بسلام منصف يعيد جميع الاراضي التي احتلت في حرب يونيو او تسوية تقوم على اجراء تعديلات في حدود ما قبل عام 1967. والاحتمال الثالث هو أسوأ الاحتمالات. * كاتب سوري