في يوم واحد أو يكاد.. يوم الاحد الماضي 26 نوفمبر 2000 اهتز ايوان الامبراطورية الامريكية وسقطت منه شرفتان. قلعة عتيدة اصابها تصدعان, في مرحلة نهاية ولاية الرئيس كلينتون في قلب معمعة دستورية، وقانونية وسياسية ومالية تعيشها اكبر ديمقراطية واعظم قوة على وجه الارض. فما الذي وقع في هذا اليوم الذي احسبه سيبقى محفورا في ذاكرة التاريخ؟ اول حدث ساطع هو الاعلان الاوروبي عن تشكيل قوة عسكرية مستقلة عن حلف شمال الاطلسي. بعد اجتماع تاريخي عقده وزراء الخارجية ووزراء الدفاع للدول الخمس عشرة المكونة للاتحاد الاوروبي يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين 20 و21 نوفمبر 2000 في بروكسل. لقد اعلن اذن على انشاء ما سمي (البيسد PESD) وما تفصيله: السياسة الاوروبية للأمن والدفاع, وتولد من رحم هذه السياسة قوة ضاربة سريعة تنتشر بعد ستين يوما قوامها ستون ألف مقاتل وتملك 400 طائرة مقاتلة و100 بارجة حربية مع طاقة تدريبية عالية تمتد الى سنة 2003. وبالطبع كان قرار انشاء القوة اتخذ في اجتماع هلسنكي منذ عام بالضبط (ديسمبر 99) وظل محل جدل وحوار ولكن ايضا محل اتفاق حتى اعلن عنه الاحد الماضي. والامر غير المتوقع هو صدور مقال (تاريخي) في صحيفة (الابزرفر) اللندنية نفس يوم الاحد 26/11/2000 بتوقيع مشترك بين مادلين اولبرايت وزميلها البريطاني روبن كوك يقبلان هذا الاستقلال الدفاعي الاوروبي (كتعزيز) لحلف شمال الاطلسي يصلح للدفاع عن اوروبا وعن امريكا في الوقت نفسه. وبذلك تحاول واشنطن مستعينة بأمها ــ أو ابنتها ــ بريطانيا ان تجلب للامبراطورية الامريكية هذا القطيع الاوروبي العنود. فأوروبا الموحدة باتت تضيق من الحلول الامريكية (الارتجالية) لأزمات اوروبا في البلقان. ومنذ ايام جمعني غداء بمطعم باريس مع الصديق ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق وأحد المتحمسين لملف الدفاع الاوروبي المستقل وقال لي: (انا اعتقد بأن السلام العالمي لا يمكن ضمانه بصعود قوة عسكرية احادية وطاغية تضع كل قضايا العالم وتصنفها من منظور مصالح امريكا وحدها. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تفاقمت المشاكل لأن توازن الرعب غاب عن الساحة...). اما ثاني حدث هام وتاريخي كذلك ــ زعزع الايوان الامريكي ــ هو وضع واشنطن في قفص الاتهام في ندوة لاهاي بهولندة حول المناخ. فقد وصل الامر ببرسكوت نائب وزير خارجية بريطانيا الحليفة الى نعت امريكا بأنها الملوث الاكبر. لقد انعقدت ندوة المناخ العالمية ما بين 13و25 نوفمبر وصدر بيانها يوم الاحد كذلك عن 180 دولة مشاركة تتهم امريكا بالخروج عن الاجماع ــ الى جانب اليابان ــ وتعطيل كل القرارات من اجل خدمة الصناعات الامريكية الملوثة للبيئة والجارية وراء الربح بأي ثمن: لا الغابات ولا المحيطات ولا السهول ولا الجبال تقف عائقا امام الصناعات الامريكية العملاقة. ولتتسخن الارض ولتتصحر ولتتصدع الجبال من الآن الى خمسين عاما.. بل ولتفشل ندوة لاهاي.. كما فشلت ندوة كيوتو 1997 وقبلها مؤتمر ريودي جانيرو 1992. فأمريكا ترفض التنازل عن (حق التلويث) كما رفضت عام 1995 التوقيع على حظر الالغام الشخصية. أوروبا كذلك تقف وراء خطة عالمية لحماية البيئة من منطلق تراثها الانساني والثقافي وبدأت تتهم امريكا ــ كما في المجلة الفرنسية لكسبرس عدد 24/11/2000 بأنها سبب البلاء العالمي المقبل. وهكذا في مجالين مختلفين (الدفاع الاوروبي والمناخ العالمي, تظهر امريكا في موقف الكاوبوي يداها على زناد المسدسين, بعد ان جهزت توابيت للناس في شريط من اشرطة الوسترن... ربما كان عنوانه: (الخارج عن القانون) وهو شريط امريكي قديم لجون فوري.