الصراع المفتوح.. ، بقلم: عمران سلمان

سحب السفير المصري من تل أبيب معطوفا على تجميد اربع دول عربية لعلاقاتها مع اسرائيل, وتأجيل الاردن ارسال سفيره الى الدولة العبرية الى اجل غير مسمى, يضعنا في صورة موقف عربي موحد ونادر الحدوث, ربما لأول مرة تجاه اسرائيل. وبصرف النظر عن ملابسات كل قرار عربي على حدة ودوافعه وتوقيته وتأثيره, فإن ما يبدو واضحا ان عملية السلام في المنطقة, قد اصيبت بما هو اكثر من مجرد نكسة كبيرة, وقد لا نبالغ ان قلنا بأن الاجواء العامة قد عادت الى ما قبل مؤتمر مدريد للسلام عام 1991, مع الفارق ان الواقع الفلسطيني اليوم هو اقوى وأعظم لجهة الامكانيات والتصميم, مما كان عليه وقت الانتفاضة الاولى عام 1987. اما اسرائيل التي اعتادت ان تقمع الفلسطينيين وتعاملهم بصورة دونية, وليس كشركاء سلام او جيران محتملين, فإنها غامرت هذه المرة بايقاظ الاسئلة التاريخية الكبرى, دفعة واحدة, حول العلاقة بين اليهود والعرب واستنفار الارث المثقل بالعداء الديني. ولست ادري إلام ستفضي هذه الحالة على وجه اليقين, غير ان المؤشرات الحالية, وكذلك تلك الخاصة بالمستقبل, تبدو سلبية وقائمة فيما خص المنطقة كلها. ان تحويل النزاع بين العرب والاسرائيليين الى صراع ديني وتاريخي يحمل في طياته مخاطر ادامة النزاع وجعله مفتوحا على جميع الاحتمالات ولا نهائيا. اذ يوجد لدى الجانبين ما يكفي من الحجج والمبررات للدخول في مثل هذا النزاع. فحين تصل السياسة الى طريق مسدود, وتتعذر امكانيات العيش والتفاهم المشترك, وحين تكف الادوات العصرية (مثل الدبلوماسية والقرارات والمواثيق الدولية والتجمعات الاقليمية ... الخ) عن المساعدة, فإنه لا يعود ثمة مجال من النظر الى ما هو ابعد من الوضع الراهن, والتفتيش عن وسائل جديدة لحسم الصراع. وتوفر الذاكرة الحية (لليهود كما للعرب) فضلا عن تاريخ مشترك يمتد لآلاف السنين, معينا لا ينضب من هذه الوسائل, في جانبها المعنوي والمادي. ان الكثيرين حين ينظرون الى المتظاهرين الفلسطينيين, وهم يواجهون قوات الاحتلال الاسرائيلية, وبأيديهم اعلام العراق الى جانب الاعلام الفلسطينية, ربما يستغربون هذا التأييد المتعاظم للعراق في اوساط الشعب الفلسطيني. ان هؤلاء ربما اعتقدوا ان السبب في ذلك يعود الى قيام العراق, خلال حرب الخليج الثانية, بقصف اسرائيل بصواريخ سكود, او ربما بسبب الدعم العراقي المستمر للقضية الفلسطينية. ولهؤلاء بعض الحق فيما اعتقدوا, غير ان السبب الاعمق باعتقادي هو ان العراقيين القدماء, هم الوحيدون من بين سكان المنطقة, الذين قهروا اليهود. ولابد أن يحضر هنا ما فعله ملوك البابليين والاشوريين, سيما الملك نبوخذ نصر, الذي انهى الوجود اليهودي تقريبا في فلسطين نحو الف سنة قبل الميلاد, حين غزاها وأخذ من فيها من اليهود الى العراق, عبيدا وسبايا وهي المرحلة المعروفة في التاريخ بالسبي البابلي. ومنذ عام 70 قبل الميلاد, حينما اجتاحت روما منطقة الشام كلها واحتلتها, كان وقع ذلك على اليهود اعظم وأشد, فهي انهت دولتهم في فلسطين ودمرت الهيكل وشردتهم في بقاع الارض, ومنذ ذلك الحين لم يتسن لليهود ان يقيموا اية دولة او يسيطروا في اية منطقة من العالم, حتى عام 1948 تاريخ قيام الدولة العبرية في فلسطين وانما كانوا اجماعات واقليات تخضع لغيرها حيثما حلت. وطوال الفترة الممتدة منذ ظهور الاسلام وحتى العصر الحديث, وهي فترة تربو على ألف وأربعمئة عام, مثلت المنطقة العربية حروبا و صراعات كانت فلسطين احدى نقاطها الساخنة بسبب القداسة التي تتمتع بها لدى العرب والمسلمين, كما لدى المسيحيين واليهود. وطوال هذه الفترة لم يكن لليهود سيطرة جزئية او كاملة في فلسطين او اماكنها المقدسة, ومن الصعب على العرب والمسلمين ان يتقبلوا ذلك اليوم, حتى وهم في اضعف حالاتهم. أما اليهود الذين يتمتعون اليوم بقوة غير مسبوقة في تاريخهم كله, والذين ربطوا وكيفوا وجودهم المادي والمعنوي كله, خلال الخمسين عاما الماضية, على اساس بقاء الدولة التي احتلوها على فلسطين, فإنهم يرفضون ان يتنازلوا للعرب والمسلمين, الضعفاء, عما يظنونه حقوقا مقدسة بالنسبة اليهم. اذن على جانبي الصورة, وسواء اخترت منطق القوة او قوة المنطق, فإنه يوجد ما يكفي من الاستعداد للذهاب ابعد بكثير مما تختزله الصورة الراهنة ــ الخروج على المنطق الراهن للاحداث والدخول في الميادين التاريخية والدينية. اعود فأقول ان المنطق التاريخي او الديني مفعم بالذكريات السارة والمؤلمة في الوقت نفسه. فتاريخ المنطقة وليس مستقبلها امامها. وأنها لكي تعبر هذا المستقبل, تضطر الى قطع مسافة الماضي كله من جديد. ان هذا المنطق اصبح ممكنا بفضل رفض اسرائيل قبول انجاز حل عصري وعادل ومقبول للنزاع العربي الاسرائيلي. اما استمرار اسرائيل في التفكير على هذا النحو, فهذا من شأنه ان يعزز حظوظ وفرص مثل ذلك المنطق في السيادة والنجاح. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي التفكير في اجابته مليا هو: هل يمكن ان يحل النزاع بين العرب والاسرائيليين على اساس ديني؟ وهل ثمة مستقبل يمكن ان ينجز على اساس يقوم على الماضي؟ اعتقد ان الانتفاضة الفلسطينية الحالية اذا ما نجحت في الوصول الى هدف الاستقلال السياسي الفلسطيني وتحقيق الدولة الوطنية, فإنها يمكن ان تقدم اجابة على ذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات