اذا سألت مواطنا امريكيا عن رأيه في الرئيس كلينتون فانه سيقول لك رأيه في السيد الرئيس بمنتهى البساطة والصراحة وقد يكون هذا الرأي ايجابيا وقد يكون العكس تماماً, فهذا المواطن لن يتورع عن ذم الرئيس ولعن اليوم الذي اصبح فيه رئيسا للولايات المتحدة وسيفعل ذلك بصوت عال وعلى الملأ, لن يتلفت يميناً او يساراً ولن يقول لك في اذنيك: (اسكت, الجدران لها آذان وسؤالك يقودنا للتهلكة)! في بلدان اخرى لا تفكر ان تسأل أحد مواطنيها عن الرئيس لأنه سيختفي من امامك راكضا في اي اتجاه خوفا من تهمة سماع سؤال كهذا! لأن الرئيس الخالد في بعض الاقطار زعيم الملايين وحبيب الشعب والبطل وغيرها من الالقاب انما اسبغت على سيادته حتى لا يناقش أحد سؤالا (سخيفا) كهذا يتعلق برأي مواطن (تافه) في الرئيس العظيم. وهذا ما حدث عندما سألت رجلا بسيطا من سكان العالم الثالث عن رأيه في رئيس بلده ومع انه خارج مناخ بلده والسؤال يتم في بلد يبعد عن موطن الرئيس آلاف الكيلومترات الا انه اجابني: ما هذه الاسئلة التي تجعل الانسان يتحسس عنقه ويبلع ريقه يا سيدتي؟! ورغم ان هذا المواطن يأتي من بلد تطلق على رئيسها لقب الزعيم الخالد وحبيب الشعب, الا ان كذبة بحجم الوطن كهذه الكذبة لا تصمد امام سؤال يتكون من اربع كلمات! فما هو مقياس البطولة والزعامة والخلود والحب اذن التي يروج لها جهاز دعاية الرئيس في هذه البلدان؟ وكيف يكون خالداً ومحبوباً وزعيماً ثم لا يجرؤ مواطن بسيط على ان يقول رأياً فيه؟ ولو تأملنا في حالة الخلود التي تسبغ على السيد الرئيس ثم بحثنا عن الانجازات والاعمال التي خلدته فلن نجد شيئاً, فالبلد نصفه مهاجر ونصفه جائع, وحزمة من الرجال المتشابهين في كل شيء يحيطون بالرئيس يتمتعون بكل الخيرات هم وابناؤهم واقرباؤهم, ويمعنون نتيجة هذه الامتيازات في حراسة صورة الزعيم والرئيس الخالد. احدهم قال لي: رئيسنا خالد لأنه جاء الى الحكم على ظهر دبابة, واعداً الشعب بأنه سيخلصه من كافة اشكال الظلم والحرمان و... وبأنه سيقيم العدل وسيعم الرخاء على الجميع, ومنذ ان دخل الى قصر الحكم وقبض على الرئيس السابق وتربع مكانه, لم يخرج منه, ويذكر لي هذا الشاب بأن هذه الحكاية تمت في عهد أبيه عندما كان شاباً, وبأن والده مات وفي طريقه للشيخوخة, اما الرئيس فخالد في القصر, وأما العدل والرخاء فما زالا موضع بحث ودراسة!! لماذا تحدث هذه الحكاية في مناخ الشرق والعالم الثالث تحديداً ودائماً وبنفس السيناريو والحوار؟ هل لأنهم فعلاً شعوب غير مؤهلة لنوعية حكم اكثر رحمة واحتراماً من ذلك؟ سؤال قذفه عليّ ذلك الشاب ثم مضى دون ان ينتظر الاجابة, وتركني افكر كثيراً في هذه العلاقة المأزومة وكثيرة التعقيد والاشكاليات, والتي بذاتها سبب ونتيجة لما يتخبط فيه العالم الثالث من مآزق يبدو انها بلا نهاية, لكنني مضطرة في النهاية بسبب نفحات رمضان الايمانية ان اتفاءل واتمنى ان يحل الله عقدة واحدة من عقد هذه الاشكالية لعل هذا العالم ينعم بشيء من رخاء صار في حكم الاحلام!