بودابست او بودابشت كما ينطقها اهلها هي عاصمة هنغاريا (المجر), هذه الدولة التي كانت دائماً الحد الفاصل بين اوروبا الغربية والشرقية وبين الدول ذات النظام الشيوعي والدول الرأسمالية, في الوقت الذي كانت فيه (المجر) ، تنتمي الى الشيوعية شكلاً فقط, اما مضموناً وفكراً واداء فلقد كانت اقرب الى النظام الرأسمالي, لذا كانت الاقرب الى اوروبا الغربية منها الى الشرقية, كما كانت اول دولة حاولت الخروج من طوق الدول الشيوعية التابعة لروسيا. تنقسم بودابشت العاصمة الى قسمين يفصلهما نهر الدانوب الى (بودا) وهي ذات طابع جبلي مرتفع كان يسكنه الملوك والاقطاعيون ثم انتقل اليه كبار قادة الحزب الشيوعي, اما الآن فيسكنها الاغنياء وكبار رجالات الدولة, اما (بشت) فهي القسم الاكبر وتضم الدوائر الحكومية والمحلات التجارية والفنادق الكبرى, كما تضم المباني التاريخية الاثرية وعمارات تتميز بطابع معماري مطعم بزخارف شرقية جميلة تختلف اختلافاً كاملاً عن المباني الحديثة التي شيدت في عهد النظام الشيوعي والتي تشبه علب الكبريت ولا تمت الى الفن المعماري بصلة, كما قال لنا مرافقنا وهو يطلعنا على بعض منها. ولعل اهم ما يميز بلاد المجر هو محافظتهم على بعض التقاليد والعادات التي تركتها لهم الدول والحضارات التي توالت عليهم في القرون الماضية, ويقال ان اغلب اهل المجر من الاصول الآسيوية جاءوا ضمن حملات التتار وتركوا لغة خاصة تختلف عن اللغات السائدة في اوروبا الشرقية, واذا كان بعض هذه العادات قد تلاشى مع نهاية القرن, فذلك يعود الى النظام الشيوعي من جهة والى التطورات التي شهدتها الدول المجاورة من جهة اخرى وانعكست سلباً وايجاباً عليهم. يقول مرافقنا في ظل النظام الشيوعي لم يكن هناك اناس عاطلون عن العمل لذا لم يكن هناك متسولون او لصوص سيارات لأن الحكومة كانت لهم بالمرصاد, فأهالي المدينة او السياح لم يشاهدوا في السابق مثل هذه النوعية من الناس كما هو الحال الآن. وعندما سألناه عن الفرق بين وضعهم اليوم بعد ان تخلوا تماماً عن النظام الشيوعي ووضعهم في السابق قال: ان الفرق يكمن في اوجه عدة وفي كلا النظامين هناك الوجه الجميل والقبيح. ففي السابق لم نكن نتمتع بالحرية السياسية والاقتصادية وكانت مجالات الابتكار والابداع محدودة خصوصاً والشعب المجري لديه امكانيات وقدرات هائلة من العلم والمعرفة وهم مبدعون في مجال الفن والابتكار العلمي, وكان كل شيء يتماشى ضمن حدود النظرية الشيوعية المحتكرة لكل شيء حتى الانسان. لكن من جانب آخر كان المواطن آمناً على نفسه وعائلته ومسكنه, حيث لم تكن هناك اعتداءات او سرقات على الأقل ولا متسولون ولا مناظر انسانية غير مقبولة في الشوارع. اما الآن فالحرية مكفولة للجميع بما في ذلك حرية الابداع والابتكار, لكن كم واحد منا يستطيع ممارستها؟ فلقد اصبح الجميع يصارع لكي يتماشى مع متطلبات العصر, فالبعض يتحسر على الزمن الذي مضى, اما البعض الآخر فهو راض عما هو عليه الآن رغم ادراكهم بأنهم فقدوا بعض خصوصيتهم. العاصمة وجميع المدن الكبرى لا تعرف الأمن, ومظاهر الفقر والتسول واضحة حتى ولو كان ذلك كما يعتقد البعض نتيجة للعهد السابق. ورغم كل هذا فالمواطن المجري يشعر بالتفاؤل في الوضع الحالي ويتطلع الى المستقبل باطمئنان, وكما يقول مرافقنا فإن المجرمين لم يكونوا شيوعيين في يوم من الايام. واهم ما لفت نظري هو اسم مرافقنا الذي كان يدعى (سلطان) او كما ينطقها (زلطان) في البداية اعتقدنا انه مسلم او من اصل عربي ثم اتضح لنا بعد ذلك ان هذا الاسم شائع هناك وذلك نتيجة تأثرهم بأسماء سلاطين الدولة العثمانية التي كانت لهم صولات وجولات في هذه الدول, وتركوا هناك اثراً وبصمات ثقافية كبيرة لمسناها في بعض انواع الفنون والاكلات التي ما زالت موجودة الى الآن على الرغم من التطورات الجوهرية التي شهدتها هذه الدولة. وما لفت نظري ايضاً وجود اسم مدينة دبي على الاعلانات في مكاتب الطيران والسياحة, فالامارات بفنادقها ومواقعها السياحية متواجدة هناك, وبشكل ملفت!!