عارضت ومازلت منهج السلطة الفلسطينية فى العمل الداخلى والخارجى, وما أقدمت عليه من تنازلات مجانية للعدو, ومن حصار للقوى الوطنية, ومن رهان خاسر على وعود أمريكا وتنازلات اسرائيل. ووقفت مع غيرى من البداية ضد اتفاقات أوسلو وتوابعها, التى فرضت على الفلسطينيين القاء السلاح قبل الآوان, وبيع الانتفاضة الأولى بأبخس الأثمان وأسوأ الاتفاقات, وانتظار مايجود به (سلام الشجعان) الذى انتهى الى نهايته الطبيعية مع انطلاق انتفاضة الأقصى المباركة. لكن ذلك كله لا يبرر لى ولا لغيرى أن نقف مكتوفى الأيدى أمام الجريمة التى ترتكب الآن بترك شعبنا العربى فى فلسطين وحده يقاتل ضد وحشية النازيين الجدد, ويتساقط شهداؤه فى معركة الشرف والاستقلال, ويواجه فى نفس الوقت وطأة الحصار وحرب التجويع وانتظار المعونات العربية والاسلامية التى لم يصل منها شيء حتى الآن! أكتب هذه السطور بعد انتهاء اجتماع وزراء المالية العرب فى مقر الجامعة العربية لبحث تنفيذ قرار القمة العربية بانشاء صندوقى القدس ودعم الانتفاضة برأسمال ألف مليون دولار, أعلنت الدول العربية حتى الآن مساهمتها بأكثر من 650 مليون دولار منها. لكن المأساة ان الاجتماع انتهى دون أن يتسلم الفلسطينيون شيئا, ودون أن نعرف متى ستصل هذه الأموال للشعب الذى يقاتل فى أصعب الظروف, ويعانى من أبشع احتلال يمكن تصوره, ومن جنون الصهاينة الذين يشنون حرب ابادة.. بالطائرات والمدافع والدبابات, وبالحصار الاقتصادى وتجويع الفلسطينيين من أجل تركيعهم. استمع السادة وزراء المالية للصورة كاملة, وعرفوا أن هناك 360 ألف عامل فلسطينى قطعت أرزاقهم, منهم 120 ألفا كانوا يعملون فى اسرائيل و240 ألفا آخرين كانوا يعملون فى الضفة والقطاع وتوقفوا عن العمل بعد أن منعت اسرائيل وصول المواد الخام الى المصانع.. وظهر الأسى على وجوه المسئولين العرب ثم قرروا تأجيل الموضوع لاجتماع قادم بعد أسابيع! وقيل للسادة وزراء المالية أو ممثليهم ان الفلسطينيين يعانون من حصار رهيب وأن الصهاينة اقتلعوا أشجار الزيتون وحرقوا المحاصيل فى المزارع الفلسطينية, ومنعوا وصول المواد الغذائية والدواء, وأن كل مظاهر الحياة ستتوقف بعد أن نفد المخزون من المحروقات.. وسمع المسئولون باهتمام وقرروا تشكيل لجنة لبحث الموقف ووضع القواعد ودراسة التفاصيل! وعلم المجتمعون أنه لا توجد أموال لدفع مرتبات الموظفين, ولا لرعاية الجرحى الذين انفق على علاجهم حتى الآن حوالى 90 مليون دولار, ولا لاغاثة أسر الشهداء.. وأبدى المجتمعون عظيم الأسى ثم بدأوا فى بحث الخلاف حول الاسم الذى سيطلقونه على اللجنة التى ستشرف على جمع المساهمات, ويبدو أنهم أرهقوا فى هذا الموضوع فلم ينتبهوا أن شهرا يهل اسمه رمضان, وناسا تصوم وتقاتل, أو ربما اكتفوا بتهنئة بعضهم البعض بالشهر الكريم ثم فضوا الاجتماع! وقيل للمجتمعين ان خسائر الفلسطينيين بلغت مايقرب من مليار دولار منذ اندلاع الانتفاضة, وأن توفير الحد الأدنى للحياة.. أي الماء والخبز, سوف يحتاج الى 300 مليون دولار, وإذا كان الأمر سيستغرق وقتا فالمطلوب الآن سلفة عاجلة لحين انتهاء الدراسات واتمام البحوث ومراجعة المواقف, لكن الرد كان قاطعا بأن السلف ممنوع, وكل تأخير فيه خير بإذن الله! ونعرف بالطبع الحجج التى ستقال لتبرير ماحدث. سيقال أن هناك فسادا فى السلطة الفلسطينية, واننا لا نضمن ان تصل الأموال الى مستحقيها, أو أنه سيتم التصرف فيها بنزاهة. ولا نريد أن نجادل فى صحة مايقال عن الفساد هنا, وان كان أحمد مثل الحاج أحمد كما يقال, وفساد السلطة ليس الا جزءا من فساد عربى يعرفه الجميع. ولكن السؤال هو: هل سنعاقب الشعب الفلسطينى بسبب فساد فى السلطة؟ هل سنساعد اسرائيل ونحكم على الانتفاضة بالموت لأن البعض فى السلطة مارس الفساد؟ هل سنكافئ الشهداء بتجويع ابنائهم وهل سنحرم الأطفال من الطعام لأن واحدا من أذناب السلطة أو أركانها ليسوا فوق مستوى الشبهات؟! وسيقال أن بعض العرب يقاطعون السلطة لمواقف اتخذتها.. فالكويت مازالت مستاءة من موقف عرفات اثناء الغزو العراقى, ودول أخرى مازالت تعارض نهجه منذ أوسلو وحتى الآن. ولكن ذلك كله لا ينبغى أن يكون له علاقة بإغاثة شعبنا البطل فى فلسطين ودعم نضاله. والكويت نفسها مع تحفظها على السلطة أعلنت مساهمتها بمئة وخمسين مليون دولار, ويتبقى أن تصل هذه الملايين وغيرها والا تتلكأ فى الطريق, والا يعاقب الشعب الفلسطينى على مواقف للسلطة, وألا نستمر فى البحث عن آلية لصرف المساهمات حتى يتم تهويد القدس الأسيرة! وسيقال الكثير والكثير فى مبررات التلكؤ فى نجدة الشعب الفلسطينى, ويبقى السؤال: فلتكن كل تحفظاتكم فى محلها, ولكن ماذنب شعبنا الفلسطينى المقاتل فى أصعب الظروف ولماذا يعاقب على أخطاء قياداته؟ ولماذا ياسادة لم تضعوا ماتشاءون من أنظمة تضمن الاستخدام الأمثل لكل دولار تدفعونه حتى لا يضل طريقه؟ وهل هذا وقت تصفية الحسابات السياسية وغير السياسية؟ وهل المطلوب هو عقاب السلطة أم خنق الانتفاضة؟ إننا نذكر أن القمة العربية كانت ستعقد بعد عيد الفطر كما قيل فى أول أيام الانتفاضة, ولكن ضغط الشارع العربى أنهى هذا العبث, وانعقدت القمة.. وبرغم أى تحفظات على قراراتها, فقد كان قرار دعم الانتفاضة هو أحد ايجابياتها الأساسية, ولم يلق اقتراح ولى عهد السعودية الامير عبدالله بانشاء صندوقى دعم الانتفاضة وانقاذ القدس أى معارضة تذكر, لكن الخلافات بدأت فور الموافقة على الاقتراح حول الاشراف على انفاق هذه المساهمات. وكنا نظن أن هذه الخلافات سيتم حلها بقليل من المشاورات وبعض الضوابط.. لكن الأمر يبدو أعقد من ذلك وأكثر خطورة. وما يهمنا الآن هو أن تصل هذه المساهمات على الفور, وأن يدرك الجميع مسئولياتهم فى هذه القضية. ان تقرير هذه المساهمات كان تعبيرا عن ارادة شعبية عارمة جسدها قرار القمة العربية ولا يجوز لأى سبب أن يتم التلاعب بهذا القرار, ولا أن يتم التسويف فى تنفيذه. وعلى الجميع أن يدركوا أن واقعا جديدا قد بدأ فى 28 سبتمبر الماضى حين اندلعت الانتفاضة, وأن اشياء كثيرة قد تغيرت.. ليس فى فلسطين وحدها, وانما فى العالم العربى كله, ولهذا فإن الصراع الذى يدور الآن هو: هل يمكن اعادة الأوضاع الى ماكانت عليه قبل الانتفاضة.. وكيف يمكن القضاء على هذا البركان الذى اندلع من أمام المسجد الأقصى المبارك ليبعث الحياة فى عالم عربى كاد يقتله الركوض المريض؟ إن باراك يعلن بوقاحة انه مستعد لقتل الآلاف من الأطفال الفلسطينيين لكى يعيد السلطة الفلسطينية الى مائدة التفاوض لتوقع وثيقة الاستسلام, وأمريكا تريد أن تكون الانتفاضة مجرد (حادث مؤسف) اعترض الطريق المعد لفرض الحل الاسرائيلى على حساب العرب. والكثيرون حتى داخل السلطة لا يرون فى الانتفاضة الا وسيلة لتحسين شروط التفاوض وتجميل الحلول المقدمة. والتأخير فى تقديم الدعم المطلوب للانتفاضة هو تأييد لهذه الأطراف, وهو عقاب للشعب الفلسطينى وقواه الوطنية التى ترفض أن يكون مصير هذه الانتفاضة هو نفس مصير الانتفاضة الأولى, وتصر على الاستمرار فيها الى النهاية.. أى الى التحرير والاستقلال, وترفض أى محادثات لا يكون هدفها النهائى والمعلن هو الدولة الفلسطينية على حدود 67 واستعادة القدس وضمان حق العودة للاجئين. فهل سنترك الانتفاضة تحت الحصار؟ وهل سنساعد كل المتآمرين على اطفاء شعلة الحق التى انطلقت من الأقصى؟ وهل سيظل المجاهدون على أرض فلسطين ينتظرون الغوث العربى والاسلامى الذى يتلكأ فى أروقة البيروقراطية ويتسكع فى أزقة تصفية الحسابات السياسية والخصومات الشخصية؟ اننى لا أتحدث عن حق الشعب الفلسطينى فى دعم صموده, ولكنى أتحدث عن حق كل عربى فى أن يحافظ على شرفه وكرامته التى تنتهكها كل ساعة دبابات اسرائيل وصواريخها. اننى لا اتحدث فقط عن الواجب الوطنى والدينى نحو القدس وفلسطين, ولكن أتحدث عن كل بيت عربى لن يكون آمنا إذا مرت جرائم اسرائيل بلا عقاب, وإذا ضاع دم الشهداء بلا ثمن. ولا أريد أن تأخذنى المشاعر الغاضبة الى حيث لا أريد أو أرضى. ولكن فقط اتساءل ونور الشهر الكريم يملأ الدينا: كيف يكون طعم الخبز والماء فى أفواهنا.. وأسر الشهداء وأبناء الانتفاضة يطلبون العون فلا يجدون؟ وهل المطلوب أن يقف الشهداء على أبواب المسئولين العرب فى انتظار أن تنتهى اللجان من تنظيم العمل وفتح الحسابات.. وهى المهمة التى سيعطلها بلا شك انشغال الأمة فى رمضان بمتابعة المسلسلات وحل الفوازير؟! اللهم اننا نسألك العفو والمغفرة.. العفو والمغفرة وستر الفضيحة فى الشهر الكريم!