ما قيمة تبرع الحكومات العربية بمئات الملايين من الدولارات لصالح صندوقي دعم الانتفاضة الفلسطينية اذا كان من المستحيل ايصال هذه الاموال الى الفلسطينيين؟ لا اتحدث عن التلكؤ البيروقراطي الذي ظهرت بوادره في ذلك الاجتماع الخاص الذي عقده وزراء المالية العرب الاسبوع الماضي لرسم الطرائق الادارية والمحاسبية لكيفية حفظ هذه الاموال وكيفية انفاقها رغم ان الوسائل الادارية التي تبناها الوزراء لا تتلاءم مع طبيعة الظروف العاجلة لاغاثة الشعب الفلسطيني المقاتل. اتحدث عن الاجراءات القسرية التي اتخذتها وطبقتها السلطات الاسرائيلية باغلاق كافة المنافذ التي يمكن عن طريقها ايصال اي مدد عيني او نقدي الى اهلنا الفلسطينيين في غزة والضفة وهم يواصلون عملياتهم النضالية اليومية ومن ورائهم اسرهم: انها اجراءات تعكس من حيث اتقانها وشموليتها تصميما اسرائيليا كاملا على اهلاك الشعب الفلسطيني تجويعا وافلاسا بأمل كسر ارادته القتالية, وبالتالي استسلامه نهائيا. أول اجراء كان حرمان السلطة الفلسطينية من مصدر ايراداتها الرئيس داخل الرسوم الجمركية. بموجب اتفاقات اقتصادية ابرمت قبل خمس سنوات في باريس بين ممثلين للسلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية تعهدت اسرائيل بأن تدفع للسلطة حصيلة الرسوم الجمركية التي تتقاضاها سلطات الجمارك الاسرائيلية في موانئها الجوية والبحرية عن السلع المستوردة بواسطة السلطة الى الضفة وغزة, والاجراء العقابي الذي اتخذته السلطة الاسرائيلية الآن هو منع تحويل الاموال المستحقة للسلطة.. وتبلغ حاليا نحو 320 مليون دولار. وتضاعفت الخسارة المالية الفلسطينية مع قرار اسرائيلي اتخذ منذ المرحلة الاولى لاحداث الانتفاضة بمنع دخول العمال الفلسطينيين العاملين في مؤسسات اسرائيلية من دخول اسرائيل.. والنتيجة الآن هي ان نحو 120 الف فلسطيني لم يقبضوا اجورا منذ اندلاع الانتفاضة. ومع حرمان الفلسطينيين سلطة وشعبا من اي دخل نقدي عمدت السلطات الاسرائيلية الى خلق ندرة سلعية في الضروريات اليومية بمنع دخولها الضفة وغزة بما في ذلك دقيق الخبز والسكر والوقود بأنواعه من بنزين وغاز طبخ ومازوت.. بالاضافة الى الادوية بما فيها الادوية المنقذة للحياة. في وجه كل ذلك اغلقت اسرائيل كل المنافذ التي تؤدي الى الاراضي المحتلة, برا وبحرا وجوا, بما في ذلك المعابر الحدودية مع كل من مصر والاردن وتعطيل مطار غزة, وهكذا تنضم حالة الحصار الفلسطيني الى حالة الحصار العراقي.. وبصورة ابشع. ان الوضع جد خطير.. ويفاقم من خطورته ان الخطر الاسرائيلي لا يقتصر على السلع المستوردة تجاريا وانما يمتد الى التبرعات العينية الآتية من هيئات عربية واسلامية.. حكومية كانت أم شعبية من مواد غذائية وادوية, وحتى عربات الاسعاف المجهزة المرسلة كتبرع من العالم العربي والاسلامي الى الفلسطينيين منعت اسرائيل دخولها. وبما ان اسرائيل لاتعتزم تغيير موقفها فإن الامر يمثل تحديا لا يمكن مقابلته إلا بتحد عربي في مستواه, خاصة من جانب مصر والاردن. وفي تقديري ان قرارا مصريا واردنيا بالتلويح بقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل بالكامل كفيل بأن يحمل الدولة اليهودية على اعادة النظر.