حين نحدثك عن حكاية (الربط الشرطي) نرجوك ألا تنزعج لاسيما ونحن نروض النفس والمعدة أيضا على الساعات الأولى من حلول رمضان الجميل الكريم. أولا نرجو أن تقرأ كلمة الشرطي بفتح الشين وليس بضمها.. والفرق لو تعلمون كبير لأن الضم ناهيك عن الربط يفيد بداهة الاشارة الى هيئة الضبط والربط البوليسية إياها التي عشنا طول حياتنا نداريها ونتقيها ونظهر لها أفرادا وقيادات كل آيات الاحترام والتجلة وخذ بالك من حكاية نظرة هذه.. وندعو المولى آناء الليل وأطراف النهار أن يجعل كلامنا خفيفا على هؤلاء الأفراد وتلك القيادات. ولقد نذكر شعارا رفعته الهيئة البوليسية المذكورة أعلاه منذ سنوات بعيدة في مصر المحروسة يقول: الشرطة في خدمة الشعب.. ويومها طالع الناس رسما كاريكاتوريا نشره الفنان الساخر المبدع حجازي في مجلة (صباح الخير).. يصور شرطيا يقف تحت لافتة الشرطة في خدمة الشعب وينادي مواطنا يمر لحظتها أمام مركز البوليس.. يقول له: اتفضل.. ويرد عليه المواطن بكلمة: متشكر.. وفي عينيه كما رسم الفنان حجازي كل معاني التشكك والوجل والتوجس وهو يمرق متباعدا في كياسة عن مركز الشرطة ومقرها وسيرتها حتى ولو كانت, كما تقول, في خدمة الشعب. الحديث إذن عن الشين المفتوحة وعن الربط الشرطي بمعنى علاقة التلازم والترابط بين المعاني والمواسم.. وبين الأيام والأحداث وما تجره أو ما يرتبط بها من دلالات وذكريات. وأنت أول من يعرف أن هلال رمضان يرتبط في الذاكرة الجمعية لكل شعب مسلم بأغان وأهازيج وأناشيد تظل مستقرة في قاع هذه الذاكرة على مدار أيام العام كله ولكن يتم استدعاؤها بقدرة قادر كلما نادى البشير أن ثبتت الرؤية و.. غدا هو أول رمضان. وأهل ربعنا في مصر مثلا لا ينفكون يعيدون ويزيدون مع كل رمضان في الحديث عن أغنية استقبال الشهر الكريم.. (وحوي يا وحوي) أصلها وفصلها ونشأتها وتطورها.. وهم يفعلون ذلك بغير ملل من سنة الى أخرى ولا بأس من أن يشرع اللغويون أسلحة التقصي الايتيمولوجي, أصل الألفاظ وعلم اشتقاقها ومادة بنائها, المورفولوجي (وها نحن نستغل لحظات الصيام والصبر لكي نستعرض بعض ما عرفناه في هذا الباب). وبعد الاختصاصيين في الالسنيات يأتي دور المؤرخين الذين يتم استفتاؤهم عن سيرة الأغنية الرمضانية إياها وظروف تأليفها وتلحينها.. دع عنك ما تجود به الظروف من آراء الموسيقيين والمنشدين.. الخ.. ولا بأس من تكاليف املاء تلك الصفحات الطوال التي يخصصها رؤساء التحرير ونوابهم ومساعدوهم لأجل عيون رمضان في ملاحق وتوابع بعضها من أجل عيون الشهر الفضيل.. وبعضها, علم الله, من أجل عيون الاعلانات. ولو قدر لك أن تتابع بامعان أحاديث الاحتفالات والأهازيج والمآكل والمشارب الرمضانية.. لوجدت أن المسألة هنا تشير باستمرار بأصابع الاحالة التاريخية الى الفاطميين الذين حكموا مصر ابتداء من المعز لدين الله في عام 934 للميلاد, واختتاما بالعاضد لدين الله في عام 1171 للميلاد أيضا. وقد جاءوا اليها من أقطار العروبة والاسلام في المغرب الكبير وربما اصطنعوا تلك الاحتفالات في مواسمها الدينية والوطنية مستخدمين في ذلك منظومة اعلامية كانت في وقتها غاية في التقدم والكفاءة. وبعد أن راح الفاطميون وراحت أيامهم.. بقي منهم ذكريات طيبة وجميلة بعضها ظل مجسدا في شموخ ـــ في بعض صروح المعمار والثقافة الاسلامية وعلى رأسها الجامع الأزهر وجامع الحاكم.. دع عنك مفردات المطبخ الموروثة عن العصر الفاطمي الزاهر ومنها مثلا الزلابية (لقمة القاضي) والكنافة والبالوظة (وهي التصحيف اللغوي لكلمة الفالوذج الفارسية الأصل) وأنت تصادفها لذيذة مرغوبة في كثير من أدب الجاحظ مثلا.. تماما كما تصادف اللوز ينسج (بالواو الساكنة والنون المفتوحة) وهو, كما يقول الأستاذ عباس العقاد, حلواء تشبه القطائف وتؤدم بدهن اللوز.. وفيما يقول الشاعر ابن الرومي: لو أنه صور من خبزه ثغر لكان الواضح الأشنبا مستكشف الحشو ولكنه أرق قشرا من نسيم الصبا من كل بيضاء يحب الفتى أن يجعل الكف لها مركبا مدهونة زرقاء مدفونة شهباء تحكي الأزرق الأشهبا ملذ عين وفم, حسنت وطيبت حتى صبا من صبا والأشنب, بالمناسبة, هو الناصع البياض.. ولك بالمناسبة أيضا ان تتصور فتى يعربيا يأكل هذا الطعام اللذيذ بكفه لا بأصابعه.. المهم أن الفاطميين أصبحوا نوعا من (الملطشة) التاريخية ان شئت التعبير.. كل ما نعرف أصله وفصله من المطعم أو المشرب أو مألوف العادة في رمضان.. نبادر في رعونة بحثية فتعود به الى أصحابنا الفاطميين تماما كما نقرأ أشعار طرفة أو لبيد أو اليشكري أو امرئ القيس فاذا لم نفهم لفظة هنا أو مصطلحا هناك.. نسارع بالرعونة نفسها فنقول في ثقة بالنفس موهومة ولاشك: وكان هذا.. مكانا أو موضعا يؤمه النوم في الجاهلية. ومن عجب أن أطعمة رمضان لا تستساغ عادة في غير رمضان. المصريون مثلا تعودوا على تناول (قمر الدين) عجينة المشمش المعروف وهم يقبلون عليه مشروبا يحتسى ومطبوخا مرصعا- فضلة خيرك بصنوف الياميش التي تجمع بين مكسرات الجوز واللوز وأفراد عائلتهما وبين الزبيب والتين وما لفلفهما, وقمر الدين هذا يصنعه أساسا الإخوة السوريون.. لكي يستهلكه بعون الله وقدرته أطنانا من فوق أطنان أخوتهم المصريون وهم يحرصون على اقتنائه والافتتان به مع بواكير رمضان حتى ليحسبه الرائي أنه واحد من الأركان الشرعية التي لا يكتمل بغيرها الصوم.. أو أن الله سبحانه سائل المرء عن تناوله يوم القيامة. ويوم أن منع جمال عبدالناصر استيراد قمر الدين ضمن قائمة رأها, رحمه الله, من السلع الاستهلاكية الكمالية, التي ينبغي الاقلاع عن شرائها توفيرا للعملات الصعبة كاد الناس يشرقون بدموع الشوق الى قمر الدين وتوابعه من عائلات الجوز واللوز والفستق والقراصيا والمشمشية المذكورة أعلاه.. وظلوا يمصمصون الشفاه وهم يحشون الكنافة بالفول السوداني المحلي الغلبان الذي كانوا يزرعون ويتحايلون مع أركان رمضان الشرعية بصنوف المشمش المعلب الذي كانت تعده إحدى الشركات الوطنية.. وربما كان لسان حالهم يقول: عبدالناصر.. رجل شهم وذو عزمات.. لكن بأي وجه نقابل رمضان بغير ياميش وبالذات بغير قمر الدين؟ طبعا كانوا يدركون أن الرجل منع الاستيراد لأنه كان يريد أن يوفر أموالا يبني بها مصانع ويمول بها مجانية التعليم.. لكنها العادة المتأصلة ولاشك ربما من أيام الفاطميين. والغريب أن لو عرضت على أحدهم قدحا من شراب قمر الدين في شوال أو ربيع الأول أو حتى ربيع الثاني لاعتذر لك عن تناول الشراب وقل الشيء نفسه عن أصناف الكنافة أو القطائف.. ذلك ما وصفناه بحكاية الربط الشرطي مع قدوم رمضان وكل رمضان. ولا تنس رغم الصيام أن تقرأ الشين بالفتح للأسباب التي بسطناها لك في مستهل هذا الحديث.