عندما اتخذ مؤتمر القمة العربية غير العادي الذي عقد في القاهرة قرارا بإعادة النظر في العلاقات مع اسرائيل او قطعها في ضوء التطورات الخطيرة التي تشهدها الاراضي العربية الفلسطينية، والاعتداءات الوحشية الاسرائيلية ضد ابناء الشعب الفلسطيني تمحورت اسئلة المعنيين بالصراع العربي ــ الاسرائيلي في محورين اساسيين. الاول: الى اي مدى ستذهب الدول العربية في مسألة اعادة النظر في العلاقات بإسرائيل والمقاطعة الاقتصادية لها وتعليق المشاركة في المفاوضات متعددة الاطراف. الثاني: حول جدوى العودة الى سياسة المقاطعة وأثرها كوسيلة لردع اسرائيل عن ممارستها العدوانية وارغامها على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. مع ان القسم الكبير من المحللين والمراقبين اعتبروا ان مصير هذا القرار لن يختلف كثيرا عن مئات القرارات العربية المماثلة سواء تلك التي اتخذت في اطار القمم العربية السابقة او في اطار جامعة الدول العربية وهيئاتها المختلفة الا انه مع استمرار انتفاضة الاقصى وشلال الدم الفلسطيني والاستخدام المفرط لمختلف انواع الاسلحة من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي وأولوية القدس فضلا عن اتساع حدة الاحتجاجات الشعبية في الداخل كل ذلك جعل من مسألة اعادة النظر في العلاقات مع اسرائيل من قبل الدول العربية التي اقامت علاقات معها مسألة حيوية تتوقف عليها مصداقية الموقف العربي وحقيقة الموقف الوطني والقومي من القضية الفلسطينية والاماكن المقدسة, ويمكن القول ان مسألة اعادة النظر في العلاقات مع اسرائيل انصبت في عدة اتجاهات: * قطع كل من سلطنة عمان وتونس والمغرب وقطر العلاقات مع اسرائيل, حيث ادت القرارات المتتالية لهذه الدول الى بروز سياق جديد في العلاقات العربية ــ الاسرائيلية, ومع هذا السياق بدت اسرائيل التي انتقلت من نجاح الى اخر في اقامة العلاقات مع الدول العربية وتطبيع العلاقات معها بدت ان كل ما حققته معرض للانهيار والفقدان مقابل عودة مفردات التضامن والتنسيق ووحدة الموقف والعمل المشترك الى الصف العربي, فبالرغم من الضغوط الامريكية في هذا نجحت الدول العربية في اصدار العديد من القرارات والمواقف سواء في اطار الامم المتحدة ومؤسساتها او في اطار مجموعة دول عدم الانحياز او الاتحاد الاوروبي او دول كبرى منفردة, وتمحورت هذه القرارات والمواقف حول ادانة اسرائيل ومطالبتها بوقف اعتداءاتها ضد الشعب الفلسطيني وتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق ومحاكمة المسئولين الاسرائيليين عن الاستخدام المفرط للسلاح ضد الفلسطينيين. * احياء نشاط مكتب المقاطعة العربية لاسرائيل الذي يتخذ من دمشق مقرا له, وايقاف العديد من الشركات والمؤسسات الاردنية والمصرية تعاملاتها التجارية والمالية مع اسرائيل بالتزامن مع مقاطعة قطاعات شعبية واسعة في العديد من الدول العربية والاسلامية البضائع الامريكية, وتلميح بعض الدول العربية الى امكانية استخدام سلاح النفط, اضافة الى هذا فإن ازدياد حدة الاحتجاجات الداخلية ودعوة المنظمات والهيئات والمؤسسات الثقافية المناهضة للتطبيع والرافضة للتسوية والداعية الى صياغة مشروع عربي فاعل في مواجهة المشروع الصهيوني والاشتباك معه, كل ذلك جعل من مسألة تجديد المقاطعة العربية مسألة حيوية تحظى باهتمام بالغ في اللقاءات العربية. في الواقع, بالرغم من ان العرب يخوضون معركة غير متكافئة في هذا المجال مع اسرائيل وحلفائها الدوليين وفي المقدمة الادارة الامريكية غير ان مقاطعتها والضغط عليها واعطاء قضية القدس الأولوية في النشاطات العربية الاسلامية سواء الثنائية منها او الجماعية كل ذلك جعل من المقاطعة العربية وسيلة مهمة من وسائل التأثير في اسرائيل ودفعها الى مراجعة سياستها ومواقفها وأساليبها العدوانية, اذ من شأن هذه المقاطعة خلق ازمة بنيوية في الاقتصاد الاسرائيلي وأوضاعه بعدما اوجد هذا الاقتصاد نمطا من العلاقات الوظيفية مع اقتصاديات دول المنطقة وأسواقها. فالدراسات الاسرائيلية تشير الى ان المقاطعة العربية السابقة لاسرائيل ادت الى خسارة اسرائيل خلال اربعة عقود من الزمن الى ما يقارب الاربعين بليونا من الدولارات ولولاها (المقاطعة) لزادت الصادرات الاسرائيلية السنوية بنسبة عشرة بالمئة سنويا فضلا عن تأثر حركة الاستثمارات الخارجية بها, ومن شأن تجديد هذه المقاطعة مضاعفة الخسائر الاسرائيلية بسبب النمط الجديد لعلاقة الاقتصاد الاسرائيلي بالاسواق العربية في ظل مسيرة السلام منذ مؤتمر مدريد وتوقيع اتفاقيات اوسلو وطابا ووادي عربة, اضافة الى هذا فإن تعثر عملية السلام واستمرار الانتفاضة من شأنهما الحاق خسائر كبيرة بالاقتصاد الاسرائيلي سواء في انخفاض النمو او الناتج الاجمالي او تراجع الصادرات والاستثمارات الاجنبية وهروبها الى الخارج, وعليه فإنه في ضوء هذه المعطيات والمؤشرات فإن المقاطعة العربية لاسرائيل جديرة بأن تكون وسيلة فاعلة للتأثير على الاوضاع الداخلية لاسرائيل والتأثير في المواقف الاسرائيلية بالرغم من محاولة اسرائيل التقليل من اهمية سلاح المقاطعة, ولكي تكون المقاطعة العربية ذات جدوى حقيقية وموظفة في مصلحة الموقف القومي وخيار العرب في اقامة السلام العادل والشامل والحقيقي ينبغي ربط الاستمرار في المقاطعة بحدوث تحول حقيقي في الموقف الاسرائيلي من عملية السلام والالتزام بمضمون القرارات الدولية ذات الصلة وفي المقدمة القراران 242 و338 لا ان تتراجع الدول العربية عن المقاطعة بمجرد ان تقدم اسرائيل وعودا كاذبة بهذا الشأن او ذاك او تنازلات بسيطة هذا من جهة اول, ومن جهة ثانية يجب ان تتحول هذه المقاطعة الى موقف عربي جماعي وارادة مشتركة في اطار وحدة الشعور والعمل والخيار والتوجه والهدف سواء في اطار العلاقات الثنائية او الجماعية او في اطار المنظمات الاقليمية والدولية, ومن جهة ثالثة رفد هذه المقاطعة بجهود دبلوماسية وسياسية في المحافل والهيئات الدولية بغية الضغط على اسرائيل والمطالبة باتخاذ اجراءات ضدها والامتناع عن التعامل معها في ضوء اعتداءاتها الوحشية ضد الفلسطينيين واساليبها المنافية للشرائع والقوانين الدولية وانتهاكاتها المستمرة لحقوق الانسان. قد يفهم البعض ان تجديد المقاطعة خطوة خارج السلام او انه سيؤدي الى تصعيد التطرف في اسرائيل وحتى في الوطن العربي الا ان مثل هذا الفهم يفتقر الى العمق, ففي ظل تعثر عملية السلام بسبب المواقف الاسرائيلية المتعنتة ومحاولة اسرائيل فرض حلول قسرية على العرب باسم السلام وتوقيع اتفاقيات مع الدول العربية الباقية خارج القرارات الدولية التي عقدت على اساسها مؤتمر مدريد للسلام, ينبغي على العرب اعادة النظر في الآليات والوقائع والنتائج التي ترتبت على مفاوضات السلام بين اسرائيل والدول العربية, في صياغة عملية للمواقف والممارسات والعمل المشترك من اجل عدم تمكن اسرائيل من فرض (سلامها) القسري على الاطراف العربية وتمكينها من الهيمنة على المنطقة بذرائع الأمن والتعاون الاقليمي. في الواقع, بالرغم من التباين العربي في الاداء الحكومي والشعبي ازاء تجديد المقاطعة لاسرائيل وقطع العلاقات معها بهذه الدرجة او تلك فان النتيجة تبدو واحدة, اذ ان تجديد المقاطعة وسيلة مهمة للتأثير في اسرائيل واقتصادها ومواقفها بالرغم من انه لا يكفي وحده لتحرير الاراضي العربية المحتلة. كاتب سوري