هوية تركيا ، بقلم : أحمد عمرابي

أليس غريبا ان مجموعة الجنرالات المتربعة على قمة النظام التركي العلماني, لا المنظمات الاسلامية التركية, هي الاقل حماسا لانضمام تركيا الى اسرة (الاتحاد الاوروبي)؟ وفقا للسياسة الرسمية التركية المعلنة لا تزال تركيا ملتزمة بمبادىء كمال اتاتورك التي تعتبر تركيا بموجبها دولة علمانية تنتمي حضاريا الى اوروبا لا الى الشرق الاوسط الاسلامي. وبينما تطبق هذه السياسة بكل صراحة لمدى عقود متصلة ودون ادنى تهاون على الصعيد الداخلي فإن الامر يختلف على صعيد التطبيق الخارجي فيما يتعلق بمسألة انضمام تركيا فعليا الى عضوية (الاتحاد الاوروبي). هنا يتلكأ العسكريون الاتراك الحاكمون.. واكثر من ذلك تتلكأ دول الاتحاد الاوروبي ايضا.. فلماذا؟ الجنرالات الاتراك لا يرفضون مبدأ الانضمام نفسه وانما يخشون التورط في تبعات شروط العضوية. فالدول التي ترغب في دخول عضوية الاتحاد الاوروبي يتعين عليها اولا الوفاء بحزمة اصلاحات اقتصادية ودستورية تمهيدا للنظر في طلبها.. ومن ثم الالتزام بمواثيق وقوانين الاتحاد في حال قبولها. ومن بين الشروط التمهيدية وشروط البقاء داخل (النادي) الالتزام بمعايير حقوق الانسان وسيادة القانون واطلاق الحريات المدنية واستقلال القضاء والشفافية الاقتصادية والمحاسبة. وهذا بالضبط هو ما يخشاه قادة النظام التركي. فبينما تحرص المؤسسة العسكرية على ابقاء الطابع العلماني الاتاتوركي على نظام الحكم فانها اشد حرصا على رفض كل ما يمكن ان يهدد قبضتها الحديدية على السلطة. وطالما بقيت تركيا بعيدة عن عضوية الاتحاد الاوروبي كلما بقي الجنرالات الحكام احرارا في ممارسة السلطة اليومية الاوتغراطية دون اي مساءلة او محاسبة مما يدخل في اطار حقوق الانسان والحريات وسيادة القانون. لهذا نفهم لماذا نجد ان الفئات المعارضة للنظام تتطلع بتشوق الى اليوم الذي يتم فيه قبول تركيا نهائيا في عضوية الاتحاد الاوروبي. وفي مقدمة هذه الفئات المنظمات الاسلامية خاصة (حزب الفضيلة) الذي يسعى لاقامة نظام اسلامي بالوسائل الديمقراطية السلمية و(حزب العمال الكردستاني) الذي لا يمانع في نبذ ثورته المسلحة الراهنة الرامية الى فصل الاقليم الجنوبي الشرقي لاقامة دولة كردية مستقلة اذا اتيح له العمل في بيئة ديمقراطية كاملة, كما يبدي استعدادا لتقليص هدفه الاستراتيجي الى مستوى حكم ذاتي للاقليم عوضا عن الاستقلال الكامل. ان النظام الحاكم يمارس قمعا يكاد يكون بلا حدود ضد (حزب الفضيلة) والحزب الكردستاني بصورة منظمة. لكن لن يتسنى له المضي في ممارسة هذا القمع اذا سارت تركيا عضوا في الاتحاد الاوروبي يلتزم بمبادىء حقوق الانسان بالمفهوم الليبرالي الغربي.. لأن تطبيق هذه المعايير بالكامل في تركيا من خلال دستور جديد سوف يعني ببساطة تحجيم سلطة النظام الحاكم بحبسها في اطار سيادة القانون. لكن, وللمفارقة العجيبة, فإن آخر ما تتمنى دول الاتحاد الاوروبي نفسها هو ان تفي تركيا بشروط الالتحاق فيضطر الاتحاد الى قبولها. فأوروبا المسيحية ترى ان تركيا ذات الستين مليون مسلم تظل دولة ذات شعب مسلم لن تتغير هويته الحضارية الراسخة رغم العلمانية الاتاتوركية. وبعد فإن الاتحاد الاوروبي يظل من منظور اعضائه انفسهم ناديا مسيحيا بالدرجة الاولى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات