محنة انتخابات عام 2000 ، بقلم: جيمس زغبي

بينما كنت اعبر جادة بنسلفانيا في طريقي الى البيت الابيض, مؤخرا لاحظت نصف دزينة من عربات البناء المقطورة في لافاييت بارك, وهي موجودة هناك لاعداد المكان للاحتفال بالاستعراض التقليدي لبدء السنوات الاربع الرئيسية, والذي سيقام في غضون شهرين من الآن. وحتى في هذه الاوقات غير المألوفة, فإن وجود اطقم البناء يعد مؤشرا لسير الامور في مجراها العادي. ونحن لا نزال لا نعرف من سيكون الرئيس الامريكي المقبل, ولكننا نعرف انه سيكون هناك رئيس أمريكي. ولأن هذه الانتخابات كانت متقاربة للغاية, فإن من سوء الطالع ان نظارة مكبرة قد كشفت العديد من العيوب الكامنة في ديمقراطيتنا الانسانية للغاية ولو ان نتائج يوم الانتخابات كانت اكثر حسما لكان الانتقال بلا متاعب, أما والأمر كما جرى فإن العالم يعرف الآن ان اجهزة فرز الاصوات ترتكب اخطاء, وأن الافراد الذين يقومون باحصاء الاصوات يقعون في اغلاط وأن السياسيين الحزبيين يبرمون احكاما تتفق مع ميولهم الحزبية. ولدى كتابة هذه السطور, فإن آل جور لا تزال الصدارة له بالنسبة للاقتراع الشعبي, فهو يسبق بنحو ثلاثمئة ألف صوت, أي ما لا يتجاوز ثلاثة اعشار الواحد في المئة من اجمالي المئة مليون صوت التي ادخلت في صناديق الاقتراع. وهو يسبق ايضا في اصوات المجمع الانتخابي التي وصلت الى 267 لصالحه و246 لصالح جورج بوش غير انه بسبب قيام النظام الامريكي على اصوات المجمع الانتخابي وهو ما يقضي بأن الفائز ينبغي له ان يحصل على اكثر من نصف اصوات هذا المجمع البالغة 538 صوتا, اي انه لابد ان يحصل على 270 صوتا فإن اصوات المجمع الانتخابي لولاية فلوريدا البالغة 25 صوتا تمس اليها حاجة كل من جور وبوش لكي يصل الى القمة. ومع تصدر بوش, بصورة غير رسمية في فلوريدا بأغلبية 930 صوتا مقارنة باجمالي الاصوات المحتسبة والبالغة ستة ملايين صوت فإن حملة جور تطالب بحقها القانوني في اعادة فرز الاصوات في ثلاث مقاطعات اوضحت الاختبارات للعينات فيها ان اجهزة فرز الاصوات لم تحتسب عشرات الآلاف من الاصوات. وخوفا من ان هذه الاصوات التي لم يجر احتسابها ستذهب لصالح جور فإن حملة بوش سعت لاستعداد حكم قضائي بايقاف فرز الاصوات اليدوي, وفي خطوة لا تعد مراعاة للصالح الحزبي بادر فريق جور, في ضوء خشيته من ان اوراق اقتراع الغائبين الواصلة في وقت متأخر ربما تضيف رصيدا جديدا الى الاجمالي الذي احرزه بوش, الى بذل جهد يستهدف استبعاد هذه الاصوات على اسس فنية وتقنية. ومضى الجانبان مرارا وتكرارا بهذه القضايا وبقضايا اخرى الى ساحة القضاء على مستوى الولاية وعلى المستوى الاتحادي, وهما يوشكان على القيام بالمزيد من الخطوات من هذا النوع. والامر كان يمكن, بالطبع ان ينتهي سريعا, لو ان مرشحا او اخر قرر التخلي عن الانتخابات واعلان خسارته لها, وهذا امر لا يزال من الممكن حدوثه, ولكنني في غمار عكوفي على كتابة هذه السطور في اليوم الذي اعقب العطلة الامريكية المتزامنة مع عيد الشكر فإنه يبدو ان كلا المعسكرين ملتزمان باستنفاد القنوات القانونية والسياسية المتاحة لهما. وحتى اذا صدر حكم نهائي فيما يتعلق باقتراع فلوريدا اليوم الاثنين السابع والعشرين من نوفمبر, على نحو ما فعلت محكمة فلوريدا العليا, فإنه ليس من المؤكد ان النزاع سوف ينتهي عند هذا الحد, فمنذ ذلك القرار الصادر عن محكمة فلوريدا العليا تقدمت حملة بوش باستئنافين مختلفين للمحكمة الامريكية العليا وقضايا منفصلة في المحاكم في 13 مقاطعة من مقاطعات فلوريدا البالغ عددها 67 مقاطعة. كما قامت حملة جور بدورها برفع قضايا لاجبار المقاطعات التي اوقفت عمليات اعادة فرز الاصوات يدويا على البدء في هذه الاعادة من جديد واكمالها قبل الموعد النهائي وهو اليوم الاثنين. واذا كان الفرز على نحو ما ستظهر نتيجته اليوم في غير صالح بوش, فإن الجمهوريين الذين يسيطرون على مجلس فلوريدا التشريعيين كليهما, مجلس الشيوخ, ومجلس النواب, قد ناقشوا خططا لالغاء الحكم واعلان فوز بوش وهكذا تستمر المسألة, وتنتظر الامة, وتراقب ما يجري. وقد يكون هذا من قبيل المفارقة الساخرة, ولكن يبدو ان دراما ما بعد الانتخابات هذه قد اجتذبت من الانتباه من جانب الرأي العام ما يفوق ما اجتذبته الانتخابات ذاتها, وقد اضافت شبكات تلفزة عديدة برامج خاصة لتغطية تطورات فلوريدا واعتمدت شبكات اخرى تغطية على مدار 24 ساعة يوميا, وفي غمار هذه العملية اتيح تثقيف معمق للرأي العام فيما يتعلق بالاجراءات الانتخابية وبقوانين الانتخابات. وربما يولد هذا التثقيف والنقاش الوطني الذي ولد ضغطا على الكونجرس الامريكي لمراجعة واصلاح قانون الانتخاب عندما يستأنف الكونجرس انعقاده في يناير المقبل. وقد تم كشف النقاب عن العديد من المشكلات الجديرة بالاهتمام وسيكون هناك اولا وفي المقام الرئيسي ضغط لانهاء نظام (المجمع الانتخابي) واحلال الاقتراع الشعبي محله, وهناك نداءات لايجاد نظام اقتراع رسمي ونظام لاحصاء الاوراق في صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية. وفي الوقت الحالي فإن كل ولاية تحسم امر الاجراءات الخاصة بها وفي داخل كل ولاية فإن القواعد تختلف من مقاطعة الى اخرى. وسيكون هناك كذلك الضغط من اجل قيام الكونجرس بالتدقيق في الكيفية التي تقوم بها شبكات التلفزة بتغطية الانتخابات وما اذا كان من المناسب ان تقوم من جانبها باعلان النتائج بناء على تقديرات قبل ان يتم استكمال عملية الاقتراع الفعلية. وفي ضوء النقاش الذي اثارته انتخابات عام 2000 فمن الواضح ان هناك دعما عاما قويا لاصلاحات من نوع الاصلاحات التي يتعين تنفيذها وقد اعلن العديد من اعضاء الكونجرس انهم سيتقدمون بمشروعات قوانين عندما تبدأ الدورة الجديدة في هذا الاتجاه. ومع ذلك فان المنتقدين يحذرون من انه ثار السخط العام نفسه حيال مخالفات القواعد في تمويل الحملات الانتخابية في 1996 وثار الاصرار نفسه من جانب اعضاء الكونجرس على اصلاح النظام في 1997 غير ان عمليات الشد والجذب الحزبية وقفت في طريق التوصيل الى أي اتفاق في هذا الصدد. وكانت النتيجة هي ان انتخابات عام 2000 كانت اكثر الانتخابات تكلفة في تاريخ أمريكا, وتدور التقديرات حول ان ثلاثة مليارات دولار قد تم انفاقها في السباقات الرئاسية والسباقات على مقاعد الكونجرس معا, وذلك يشكل زيادة كبيرة بالمقارنة مع الملياري دولار وهي الاجمالي الذي تم انفاقه في عام 1996. وبالاضافة الى مسألة الاصلاح الانتخابي هذه, فان هناك تكهنا فيما يتعلق بالكيفية التي ستكون عليها صلة الرئيس بالكونجرس والعكس, وتوضح عمليات استطلاع الرأي ان الغالبية الكاسحة على استعداد لقبول بوش او جور ودعم رئاسة أي منهما, وخلافا لما كان مفترضا فان الفرد الذي سيبرز خارجا من هذه المحنة قد يتم اعطاؤه تأييدا يفوق ما كان لولا ذلك سيتلقاه, ويرجع هذا على وجه الدقة لأن الرأي العام يرغب في اغلاق ملف الخلافات التي اثارتها الانتخابات (ذلك على الرغم من انه يبدو ان الناخبين الجمهوريين اكثر عداء لجور من عداء الناخبين الديمقراطيين لبوش). وليس من المؤكد ان الكونجرس سيكون على مثل هذا القدر من الاجماع ووحدة الرأي, فالجراح الناجمة من كابوس محاولة ابعاد كلينتون عن سدة الرئاسة لم تلتئم بعد. وكل ما هناك ان معركة اعادة فرز الاصوات في فلوريدا قد استنفدت صبر الجميع. غير ان هناك درسا ينبغي تعليمه في غمار هذه الانتخابات, ويمكن اذا ما تم استيعابه ان يكون مفيدا للرئيس المقبل, فعلى الرغم من الانقسام الفلسفي العميق الذي يفصل الجمهوريين عند الديمقراطيين فيما يتعلق بقضايا الحكم والميزانية, الا انه يبدو ان معظم الامريكيين يرغبون في الهدوء الداخلي وفي مواصلة مسيرة الازدهار, والتقارب بين المتنافسين في هذه الانتخابات والحقيقة القائلة بأن 80% من الجمهور سيدعم رئاسة اي من الرجلين المتنافسين تشهد على انه على الرغم من الغضب الذي أعربت عنه اقلية في المعسكرين كليهما الا ان الاغلبية تريد قدرا اقل من الانقسام الحزبي وقدرا اكبر من المشاركة في الحكم. واذا مد الرئيس الامريكي المقبل يده الى المرشح واتخذ خطوات محددة للاقتراب بهما من تحقيق شراكة مع ادارته فان الشعب الامريكي سوف يستجيب لهذا بحماس, وتجاوز رؤوس من يرغبون في تكرار سيناريو هذه الانتخابات واضرام النار في جمرات المرارة يمكن ان يمنح الرئيس الامريكي تفويضا قويا على نحو مدهش ويبرهن على ان محنة انتخابات عام 2000 جعلت الديمقراطية الامريكية اقوى بدلا من ان تضعفها. رئيس المعهد العربي الامريكي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات