استراحة البيان _ الضَّيْفُ رَاحِلٌ _ يكتبها اليوم: علي عبيد

رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتَ فِيْهِ فَلَمَّا صرْتَ في غَيْرِهِ بَكَيْتَ عَلَيْهِ هكذا تنقضي الأيام مخلفة وراءها ركام العمر وغبار الذكريات الذي نحاول لملمته ونحن ماضون نتعجل انقضاء اليوم ونستحث مجيء الغد غير مدركين أن اليوم الذي يمضي ينقص من أعمارنا, وأن الغد الآتي يقرِّبنا من النهاية المحتومة. من يتصور أن سنة قمرية قد انقضت منذ أن ودّعنا شهر رمضان المبارك وانه قد عاد إلينا حاملاً نفحاته الطيبة وأيامه المباركة ولياليه الجميلة؟ نتذكر تلك الأيام القريبة فنحسُّ كأننا مازلنا نعيشها, ولذلك نحاول أن نبحر بعيداً ونعود سنوات إلى الوراء نستحضر صوراً لم يعد لها وجود في حاضرنا, ونعيد بناء بيوت درست, ونرسم خريطة لأزقتنا وحوارينا القديمة, ثم ننطلق بين جنباتها.. نتذكر تلك الحركة التي تعلو وتيرتها قبل أذان المغرب, والأطباق الرمضانية على بساطتها وتشابهها ومحدودية أنواعها تنتقل من بيت إلى بيت. نتذكر كيف تتحول ليالي الشهر الكريم عند الأطفال إلى ألعاب شعبية لها نكهتها التي لم يدخل في تركيبتها البوكيمون, ولم تعبث بها سلاحف الننجا وسلسلة الشخصيات الكرتونية المسخ التي تعرفونها. نتذكر كيف كان الكبار يقضون لياليه في سمر جميل بريء لم تسمم أجواءه الفضائيات ببرامجها البعيدة عن جلال الشهر وروحانيته, وخيام السهر التي لا تتناسب مع المعاني العظيمة التي جاء الشهر ليجدد احياءها في نفوسنا فإذا بنا نخرج منه وقد راكمنا على ذنوبنا ذنوباً أخرى ما كان أغنانا عنها لو حكّمنا عقولنا وبصائرنا وأزلنا الغشاوة عن أبصارنا. يأتي رمضان فنشتاق لوجوه حبيبة كانت معنا فغابت عنا إما بفعل يد المنون التي خطفتها, أو لأن المسافات قد باعدت بيننا وبينها, وتلك ــ لعمري ــ واحدة من معضلات الحياة التي نسلّم بعجزنا وقلة حيلتنا إزاءها. يأتي رمضان فنسأله إن كان قد وجدنا على حالنا أم أن خطوطاً كثيرة قد عبثت بصورتنا فلم نعد تلك الصفحة البيضاء التي كنّاها يوم أن جئنا إلى هذه الحياة؟ ونسأل أنفسنا ونحن خير من يعرف صعوبة الإجابة: ترى.. هل كنا سنسلك تلك الدروب التي سلكناها لو أن الحياة عادت بنا إلى بداياتها الأولى؟ عندها ينبري لنا من يقول: لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع.. فهل كان أمسنا ــ حقاً ــ خيراً من يومنا؟ وهل يكون غدنا خيراً من يومنا؟ سؤال أصعب من أن يجيب عليه بشر أمثالنا, وخير لنا ألا نعرف جوابه. يأتي رمضان فينتشلنا من غفلتنا, وينتزعنا من مشاغلنا التي لا تنتهي, ويعيد لأنفسنا صفاءها وتوافقها مع طبيعتها, ويذكرنا بأن الجري وراء مظاهر الحياة والإنشغال بها أكبر جريمة نرتكبها في حق أنفسنا التي كلما أخذت تطلعت للمزيد.. فليت أن هذه الصحوة تستمر لما بعد رمضان, إذن لتغيرت كثير من سلوكياتنا, ولتحقق لأنفسنا شيء من السمو الذي يأتي رمضان ليغرسه فينا.. فهل نبدأ صفحة جديدة في تعاملنا مع هذا الشهر الفضيل؟ وهل ندرك عظم الغاية التي فرض الله الصيام فيه من أجلها؟ يأتي رمضان فتنكشف أنفسنا أمامنا, وندخل في اختبار حقيقي لقوة إرادتنا, ذلك أن الصيام هو العبادة الوحيدة التي لا يخالطها الرياء, ولذلك خصه المولى العزيز بأنه له وهو يجزي به.. ولكن أي صيام ذلك الذي أراد الخالق من عباده؟ إنه دون شك ليس ذاك الامتناع الشكلي عن الطعام والشراب, وإلا لكانت أنظمة الحمية أشد قسوة على الناس من الصيام وأكثر إيلاما وحرمانا لهم من أطايب الطعام, فهل أدركنا الغاية العظمى من هذه العبادة الفريدة؟ وهل استطعنا أن نحقق لها شروطها؟ ذلك هو الامتحان الصعب الذي علينا أن نعد أنفسنا له إعدادا جيدا كي لا يبدأ رمضان وينتهي فلا ينالنا منه سوى الجوع والعطش, وقد كان بامكاننا أن نخرج منه وقد تطهرت نفوسنا وتخلصت من أدران كثيرة تراكمت عليها على مدى شهور العام فسمت إلى غايات عليا وترفعت عن الصغائر وتطلعت للكمال وتهذبت أخلاقها. يأتي رمضان هذا العام وقد تغيرت أمور وتبدلت أحوال, وسرت في الأمة صحوة طال انتظارها, وجرت في شرايينها دماء الغيرة على المقدسات التي أشبعها أعداء الله تدنيسا وانتهاكا, وأشبعوا ساكني أرضها ظلما وعدوانا وساموهم كل أشكال العذاب وأنواعه على مسمع ومرأى من العالم المتحضر, وها هي الأرواح تبذل رخيصة لتطهير أرض الإسراء من دنس اليهود, وها هم الصغار والكبار يتنافسون في ميدان الشهادة, وها هي الصدور العارية المكشوفة تتصدى للطائرات والدبابات والعربات المدرعة غير آبهة بما تحمله من أسلحة القتل والفتك والدمار. فهل يكون رمضان ــ كما كان دائما ــ حافزا على الصمود والتصدي وتعميق الإيمان في النفوس؟ إنه والله لكذلك.. فكل الدعاوى والشعارات التي رفعناها على مدى عقود من الزمن قد سقطت, ولم تصل بالأمة إلا لمزيد من الهوان والاستسلام والذل, وقد آن الأوان لصرخة الحق ونداء التوحيد أن يثبتا للعالم أجمع أن أعداءنا أجبن من أن يواجهوا مقاومة ترفع راية (لا إله إلا الله) شعارا, وتجعل من طلب الشهادة في سبيل الله والوطن غاية يسعى إليها الصغار قبل الكبار. يأتي رمضان ليذكرنا بأول مواجهة حربية بين المسلمين والكفار.. غزوة بدر الكبرى التي حقق المسلمون فيها نصرا كبيرا على أعدائهم رغم قلة عددهم ونقص راحلتهم وسلاحهم. يأتي الشهر الفضيل في الوقت المناسب ليشد من أزر الثائرين, ويقوي من عزيمتهم, ويدعوهم إلى الثبات على المبدأ, فلا خير في أمة لا تتحرك الدماء في عروق أبنائها وهم يشاهدون مقدساتهم تدنس على أيدي الأنجاس شارون وأمثاله ومن مهد له الطريق وحماه لدخول أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين كي يستفز مشاعر المسلمين ويجس نبض الإيمان فيهم. فبورك في كل يد امتدت لتلتقط حجرا كي ترجم به شيطانا من تلك الشياطين, وبورك في كل من وقف مؤازرا تلك الأيادي, وشُلت أيدي الصهاينة الذين ترعبهم الحجارة فلا يجدون ما يردون به عليها سوى طلقات الرصاص يمطرون بها الشعب الأعزل من الجو والبر والبحر فلا تزيده إلا إصرارا وصمودا وثباتا على الحق. يأتي رمضان ضيفا خفيفا ما أن نألفه حتى يعلن رحيله عنا, فهل نكرم وفادة هذا الضيف وننزله بيننا معززا مكرما أم نفعل خلاف ذلك؟ وما أدرانا أننا نحن الضيوف الغرباء نحط رحالنا حيث شاءت لنا الأقدار, وما رمضان إلا محطة من محطاتنا نتزود منها قدر طاقتنا كي نقوى على مواصلة الرحلة التي لا نطلب لها سوى حسن الختام؟ وليس أفضل من رمضان موسما للغرس بانتظار يوم الحصاد.. فأكرم برمضان ضيفا ومضيفا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات