هل تستطيع روسيا ان تحظى بقبول لدى العرب كقوة كبرى حليفة قادرة على منافسة النفوذ الامريكي في العالم العربي؟ لقد شهدت المنطقة مؤخرا هجمة دبلوماسية روسية غير عادية كان احدثها جولة طويلة قام بها وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف مبشرا خلالها بمشروع أمني يدعو ضمن اشياء اخرى الى دخول العراق وايران مجموعة (دول مجلس التعاون الخليجي), ومن الواضح ان المشروع بهذه الصيغة يهدف الي اضعاف الوجود الامريكي في العالم العربي بصورة عامة. حتى نهاية عقد الثمانينيات كان الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى قادرا على منافسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط, لكن الدولة العظمى السوفييتية تفككت, وخلال السنوات العشر الاخيرة شهدنا الدولة الجديدة روسيا, كقوة متواضعة انكمشت اقتصاديا وتقلص ظلها الايديولوجي والدبلوماسي على الصعيد الخارجي.. في الوقت الذي تعاظم النفوذ الامريكي بكل اشكاله في الشرق الاوسط واتسعت دائرته. مع ذلك فإنه ليس من الحكمة تسفيه التطلع الروسي الراهن نحو استعادة المجد السوفييتي في الشرق الاوسط او شيء منه. فكيف تبدو الفرص المتاحة امام هذا التطلع؟ فرص النجاح تتماثل تقريبا مع فرص الفشل, وفي مقدمة فرص النجاح ان تحاول موسكو تجديد ما تبقى حتى الآن من رصيد سوفييتي, هذا يتمثل في العلاقات التحالفية مع كل من العراق وسوريا التي تمتد جذورها للوراء الى عقدي الخسمينيات والستينيات, فالصداقتان العراقية والسورية مع موسكو هما اللتان حمدتا بعد ان فقدت موسكو صداقتها مع مصر ابتداء من عهد الرئيس السادات في منتصف عقد السبعينيات, ولاتزال روسيا المصدر الاول لسوريا في امدادات السلاح.. وكانت كذلك بالنسبة الى العراق الى ان جرى تكبيله بقيود العقوبات الدولية ابتداء من مطلع التسعينيات. تمتين العلاقات مع العراق وسوريا وتوسيع دائرتها وتوفيع مستواها هو اذن المتاح لروسيا كضربة بداية وبمقدار ما يزداد العداء الامريكي لهاتين الدولتين بمقدار ما تزداد فرص النجاح امام روسيا لتطوير العلاقة معها الى مستوى تحالف استراتيجي كامل. ومع تصاعد العداء الامريكي تجاه ايران فإن من المتاح ايضا ان يكون هذا التحالف الاستراتيجي رباعيا. واذا قام مثل هذا التحالف فعلا واثبت وجوده وقدرته على الاستمرار فإنه قد يغري دولا اخرى بالانضمام اليه كالسودان وليبيا. الفشل الامريكي في (عملية سلام الشرق الاوسط) يمكن ان يمثل مدخلا ثانيا لروسيا. ومن المنظور انه لو استؤنفت العملية التفاوضية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل فإن الانتفاضة الفلسطينية التي تصعد يوميا الى مستوى حرب سوف تفضي في نهاية المطاف الى مناخ سياسي مختلف تماما, سيكون من اهم نتائجه تقلص دور الولايات المتحدة كوسيط بين الطرفين المتفاوضين, وهنا سوف تبرز فرصة تاريخية لروسيا للانضمام الى العملية بفاعلية وتأثير كطرف دولي غير منحاز مسبقا ضد قضية الشعب الفلسطيني. لكن هناك ايضا عوامل سالبة امام احتمالات التوسع الروسي ـ اولا.. روسيا ليست مقبولة اطلاقا لدى مجموعة دول الخليج العربية كشريك استراتيجي بديل.. فهي ليس لها رصيد سوفييتي في هذا الجزء من العالم العربي, وعلى الصعيد الشعبي العربي العام قد لا تحظى روسيا بترحيب في المنظمات الاسلامية بالنظر الى سياستها الحالية المعادية للاسلام والمسلمين في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى, خاصة الشيشان. وبصورة اجمالية فإن روسيا تتمتع بميزة القرب الجغرافي في منطقة الشرق الاوسط لكنها مع ذلك تظل على المستوى العالمي قوة اقتصادية ضئيلة بالمقارنة مع الولايات المتحدة.