في غضون الخمسين يوما الأولى من انتفاضة الأقصى, أوقعت آلة الحرب الاسرائيلية 246 شهيدا وعشرة آلاف جريح, منهم أكثر من ألف أصيبوا بعاهات مستديمة, وتوازي هذه الأرقام عشرة أمثالها عن الفترة ذاتها مقارنة بضحايا انتفاضة الثمانينيات. هذا دون التطرق الى أعمال التدمير بحق البنية التحتية الفلسطينية التي امتدت من قصف المباني والمنازل والمنشآت الى اقتلاع زروع مثمرة, بعضها أطول عمرا وأرسخ جذورا في الأرض من وجود الدولة الصهيونية. ومع الادراك المستقر بأن العنف الاجرامي من أبرز الخصائص البنيوية للأيديولوجية الصهيونية المؤطرة للسلوك الاسرائيلي, إلا أن حجم هذا العنف ومداه أخذا في سياق الانتفاضة الجارية أبعادا قياسية لافتة, ويعد تعبير (الاستخدام المفرط للقوة), الذي تتداوله بعض الأوساط الدولية بالخصوص, مفهوما مهذبا وملطفا وغير جدير بوصف الفعلة الاسرائيلية بحق المنتفضين. لكن شيوع هذا التعبير أخف وطئا بكثير من تلك الأوصاف المغرضة بصراحة, التي تتحدث عن (العنف المتبادل) والرغبة في (وقف اطلاق النار) بين قوات الاحتلال بعتادها الحربي الجبار والمنتفضين بحجارتهم ومقاليعهم اليدوية البدائية! تقديرنا, أن هذا الارهاب القياسي المفتوح ضد دورة الانتفاضة الفلسطينية المتفاعلة, يعزا الى أكثر من عامل رديف علاوة على العنف المتأصل في الايديولوجية الصهيونية. فمن ناحية, ثمة مخزون الخبرة الارهابية لدى إيهود باراك شخصيا, إذ سمحت الانتفاضة باطلاق شحنة من هذه الخبرة التي صاحبته وتراكمت عنده منذ سنوات تكوينه العسكري الأولى. وكان الرجل قد استدعى جزءا من تاريخه وسيرته الذاتية ضد المقاومة الفلسطينية إبان حملته الانتخابية, ويبدو أنه وجد في غمرة الانتفاضة سبيلا لتجديد الثقة في هذه السيرة بشكل عملي. ويقينا يزايد باراك, من ناحية أخرى, بممارساته الارهابية في طبعتها الجديدة, ضد شريكين ارهابيين يتربصان به في المعارضة شارون ونتايناهو.. وباراك بنموذجه هذا في المزايدة يذكرنا بمذبحة قانا التي ارتكبها شيمون بيريس وهو يعرض ملكاته الارهابية في مواجهة نتانياهو قبيل انتخابات 1996. ومن ناحية ثالثة, علينا أن نلاحظ كيف تجري مزايدات الساسة الاسرائيليين في الحكم والمعارضة, بين يدي شارع اسرائيلي عام منحاز الى الخطاب التوراتي الأصولي المهووس, فالقوى الدينية المحمومة بهذا الخطاب هي التي تهيمن على مسار الحياة السياسية في الدولة اليهودية. وقد أغرتها منجزات التسوية, لاسيما على المسار الفلسطيني بقرب تطبيق برامجها وبخاصة تجاه القدس, وبدلا من لجم هذه القوى, يؤثر باراك وأركان قيادته ركوب الموجة, وذلك عبر جرعة القمع القوية ضد المنتفضين. قبل ذلك كله وبعده, هناك عامل لا ينبغي استبعاده من حيث تفسير المقتلة الاسرائيلية بحق أبناء فلسطين المحتلة, فأثناء انتفاضة الثمانينيات لم تكن في الضفة وغزة سلطة حكم ذاتي اداري تتحكم في زهاء ثلاثين ألف مسلح فلسطيني, معظمهم من خريجي عهد الثورة الفدائية وفكر الكفاح المسلح كطريق أساسي للتحرير. ولعل هذا المستجد, منح المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وزعيمها باراك ذريعة للادعاء بأن الاحتجاجات التي يواجهها جنود الاحتلال, ليست الآن كمثلها في الانتفاضة الأولى. بصيغة أخرى, ربما سمح وجود قوات الشرطة الفلسطينية متعددة الأسماء, بمرور الزعم الاسرائيلي بأن ما يجري هو اشتباكات متكافئة بين قوتين مسلحتين, لا بين جنود احتلال مدججين حتى الأسنان ومنتفضين عزل, ويتجلى خبث التعاطي الاسرائيلي مع انتفاضة الأقصى من هذا المدخل في التركيز الاعلامي على مشاهد المسلحين الفلسطينيين أثناء تشييع الشهداء, وكذا في القول المكرور بأن القوات الاسرائيلية إنما ترد على مصادر النيران. وليس بلا مغزى في هذا الاطار, ما روجته وسائط الاعلام الاسرائيلية من أن المصرع المأساوي للطفل محمد الدرة حدث أثناء اشتباك متبادل, مما يصعب معه معرفة المسئول عن حياة هذا الطفل! ويتصل بهذا العامل الأخير وجود الشرطة الفلسطينية احتمال جدير بالتأمل. فالبطش الشديد بالمنتفضين قد يكون تكئة لاستدراج هذه القوات نحو أحد اتجاهين, كلاهما مفيد للارهاب الصهيوني الأول: أن تهب الشرطة لنجدة أبناء شعبها والانتقام لهم بشكل محدود أو مفتوح, مما يعطي قوات الاحتلال ذريعة لشن حملة إبادة أقوى ضد المنتفضين وحماتهم. وبحكم موازين القوى, فإن حملة كهذه ستؤدي الى أعطاب لا قبل للسلطة الفلسطينية بمواجهتها أو اصلاحها بسهولة على الصعيدين العسكري والمدني. الثاني: أن تجنح السلطة وشرطتها للهدوء وعدم المغامرة بمشاركة المنتفضين ومساندتهم علنا, وهذا يضعف موقعها وموقفها الشعبي ويفسد ما بينها وبين المنتفضين, ويثير السؤال عن جدواها, وقد يقطع أي ود يتوفر لها جماهيريا. رب سائل هنا يسأل, وما الذي يدفع اسرائيل الى إحراج سلطة ساهمت هي في تهيئتها واتخذت منها شريكا في عملية التسوية المعروفة؟ والاجابة, أن الطرف الاسرائيلي يتقبل هذه السلطة بقبول حسن ويتجاوب معها, طالما كانت مطية لتعميم (التسوية الاسرائيلية) وتسويقها فلسطينيا وعربيا ودوليا, وحيادها أو إنحرافها عن هذه الوظيفة يحولها فورا الى مربع العداء.. فليس من المعقول أن تكون السياسة الاسرائيلية بالحمق الذي يجعلها تعمد بيدها شريكا يقوض مشروعها للتسوية الفلسطينية. هذا التصور لم يعد نظريا منذ راحت اسرائيل تقصف مقار السلطة الفلسطينية في الأسبوع الثامن للانتفاضة, باعتبار أن سياسة السلطة انحرفت بالفعل عن هدفها اسرائيليا في كامب ديفيد الثانية, ثم فشلت في التصدي للمنتفضين حين لم يسعها التحول الى عميل ضدهم. ولعلنا نلحق بالعوامل المساعدة لممارسة اسرائيل أقصى مستويات الارهاب بحق الانتفاضة الحالية, غياب الوازع القانوني ووجود شبكة حماية دولية تؤمنها السياسة الأمريكية المتبجحة, وقناعة القيادة الاسرائيلية بانعدام فرصة خضوع الدولة اليهودية لاجراءات عقابية أو حتى رادعة بالقوة عربيا أو اسلامية أو دوليا, فقد ظلت هذه الاجراءات تحاور في الدائرة الكلامية والادانة النظرية, وهو أمر تعودت عليه اسرائيل مطولا. كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة