الاعلام بشكل عام سواء أكان مقروءا أو مسموعا أو مرئيا, أصبح اليوم أكثر من أي يوم مضى الأداة الأكثر خطورة وتأثيرا في توجيه الرأي العام, وفي تكوين توجهات جديدة لدى الجماهير وفي تكريس قيم وأفكار معينة, بغض النظر عن قيمتها العالية أو خطورتها الحقيقية أو سذاجتها المتناهية, فأنت إذا أردت أن تغسل دماغ أمة بكاملها أو تجعلها تؤمن بعقيدة أو فكرة ما, فامتلك وسيلة اعلامية قوية ونافذة ثم شغل هذه الوسيلة أو الآلة بذكاء بما يخدم فكرتك وستجد مدى نفوذ الاعلام وسحره على الجماهير. هذه الآلة السحرية والجهنمية تحتاج لكي تعمل إلى المليارات وإلى الكوادر البشرية عالية الاعداد والتدريب والتأهيل, هذا هو وقود هذه الآلة, وأولا وقبل كل شيء فهي تحتاج إلى أشخاص يديرونها بذهنية يقظة وقادرة على استيعاب المتغيرات والأخطار المحيطة, والتحديات المحدقة, أشخاص ديناميكيين قادرين على تغيير الدفة نحو الاتجاه الصحيح كلما لاحت في الأفق عاصفة أو جبل ثلج قاتل! وقادرين أيضا على الذهاب إلى حيث الهدف مباشرة بسهولة وسلاسة وحرفية, بعيدا عن التهريج واستغباء العقول وحشو ساعات البث بما يسمونه (أي كلام) من أغنيات ومسلسلات وأفلام, وبرامج (توك شو) فارغة من أي مضمون أو رسالة. الاعلام, هذه الرسالة الجهنمية هي اليوم صناعة وتجارة وشطارة وهي في الوقت نفسه رسالة ودور ومضامين شديدة الحساسية والخطورة والتماس مع فكرة العالمية والقرية الصغيرة, وفي الوقت نفسه فإن الاعلام لا يستطيع التخلص من مضامينه شديدة الخصوصية والتلامس مع نبض المجتمع الذي ينطلق منه ويتوجه برسائله إليه خلال الأربع والعشرين ساعة يوميا. وفي كل مجتمع ولكل مرحلة من مراحله هناك ما يناسبه من منتجات هذا الاعلام, بشرط أن يعي القائمون عليه (المالكون والموجهون) هذه الحقيقة, وانطلاقا من هذه الحقيقة نصح (هتلر) وزير اعلامه ودعايته (جوبلز) بأن يعمل أي شيء وبأي وسيلة لتحقيق هدف الفوهرر هتلر! ألم ينصحه قائلا: (اكذب, اكذب, اكذب حتى يصدقك الناس)؟! لقد كان هتلر يرى ان الاعلام الألماني في تلك المرحلة يجب أن يجند لخدمة الهدف الأكبر: تعظيم الجنس الجرماني والاندفاع لتحقيق الامبراطورية وحلم الرايخ الثالث, وقد نجح لولا جنون العظمة وثلوج روسيا! بعد هتلر جاءت جيوش من الذين ملكوا الاعلام ووجهوه كما يشاءون, وساروا به لتحقيق أهداف كبيرة جدا, وربما يكون من المناسب هنا أن نتأمل في الطريقة البالغة الذكاء والخبث التي تعاملت بها الصهيونية واليهود بشكل عام مع الاعلام, وكيف تم توظيفه لخدمة الفكرة ودعمها وكسب الأنصار والمؤيدين لها في كل أنحاء العالم عن طريق الفيلم والأغنية والبرنامج ونجوم السينما ونشرات الأخبار ووكالات الأنباء والبرامج التثقيفية والأفلام التسجيلية و... إلخ؟ وفي المقابل: كيف وظف العرب هذه الآلة الجهنمية التي بين أيديهم؟ لمن توجه الرسائل الاعلامية صباح مساء عبر شاشات الفضائيات وموجات الاذاعة وصفحات الجرائد يوميا؟ أي هدف تخدم؟ أي شرائح تؤثر فيها وتستهدفها؟ كيف نقيس نجاحنا وفشلنا اعلاميا إذا لم تكن لنا أهداف نسعى لتحقيقها من خلال هذا الكم الهائل من ساعات البث الذي لو حللنا مضامينه وتوجهاته لوجدنا 95% منه زبدا لا منفعة ولا فائدة له؟ ونعود فنسأل: ماذا استفادت أجيالنا ونساؤنا وأطفالنا وجميع مواطنينا من كل ما يقدم لهم من: مسلسلات مكسيكية التهمت ساعات طويلة من أعمارهم؟ ماذا جنينا من الأفلام التافهة وأغاني الفيديو كليب بلا معنى؟ ماذا فعلنا بكل تلك البرامج على شاكلة: ما يطلبه المشاهدون وألو ممكن أشارك؟! وفنون, وأخبار الفن والمسابقات المملة ولقاءات النجوم المكررة في أسئلتها وأجوبتها؟ لا شيء, لا هدف, لا مضمون, لا رسالة, لا فائدة ولا منطق ولا عقل يوجه أو يقود نحو الصواب, مجرد أموال تهدر وأوقات تضيع وأشخاص يستفيدون من كل هذا التخبط ملايين الدراهم على حسابنا وعلى حساب أموال الدولة! نحن اليوم في زمن لا يغفر للأمم أخطاءها, وفي زمن يراقبنا في كل تحركاتنا, وعلينا أن نحسب خطواتنا جيدا ونتأمل في أدائنا العلني في مجال الاعلام, خاصة واننا على أعتاب طفرة غير مسبوقة في المنطقة تضعنا أمام تحديات ضخمة, أعني بها مشروع مدينة دبي للاعلام ومدينة دبي للانترنت.