ثمة حضارة في جنوب صحراء البيرو, تدعى (لابمبا) وكذا بشمال الشيلي في صحراء (اتاكاما) بامريكا اللاتينية تغطي عشرات الامتار, رسومات واشكال غريبة, كانت قد نقشتها على الارض الجرداء القاحلة, حضارة عريقة في القدم, هي حضارة (النازكاس). حضارة تذكر آثارها الباقية هناك, بأنها ازدهرت في تلك المنطقة إبان القرن الثالث قبل الميلاد, وانهارت في القرن السادس بعد الميلاد. واللغز الذي دام مئات السنين ولم تفك اسراره بعد, يكمن في الهدف الذي من اجله رسمت مثل هذه الاشكال هائلة الحجم, والتي تخضع لمقاييس علمية, ورياضية متقدمة, تكشف ان اصحابها كانوا يتميزون بمستوى معرفي رفيع, في مجالات عدة مثل الهندسة الطبوغرافيا, الرياضيات... الخ, وهكذا على مساحة (400) كلم مربع, تنجلي بانوراما عجيبة من الصور العملاقة لطائر يفرد جناحين طولهما 150 متراً وبعيداً عنه قليلاً نعثر على صور اخرى عملاقة ايضاً. لقرد بتسعة اصابع طوله 93 متراً, وعنكبوت طوله 48 متراً, وسمكة طولها 31 متراً ناهيك عن آبار ضخمة من الحجارة, مبنية على شكل حلزوني ومصممة بدقة متناهية, وقد اطلق المختصون على هذه الصور والاشكال المبهمة اسما علميا, صارت الآن تعرف به هو (جيوغليف) وهذا المصطلح منحوت من كلمتين يونانيتين (جيو) وتعني الارض و(غلوفي) الحفر او النقش. والسؤال المطروح بالحاح هو, لمن رسمت مثل هذه الصور العملاقة؟ والتي لا يمكن معرفة كنهها الا من الفضاء على متن طائرة مثلاً! والواقع ان مجموعة كبيرة من العلماء والاثريين امضوا سنيناً طويلة في محاولة اماطة اللثام عن هذا اللغز الطريف الذي طرح آلاف الفرضيات والاحتمالات بعضها يحاول ان يغلفها بطابع ديني فيفسرها بكونها مجرد طقوس تعبدية لحيوانات كانت ترمز لآلهة عن شعب (النازكاس) فيما ذهب فريق آخر من العلماء الى تفسيرها على انها ملاعب للسباق, تشبه تلك التي تجري الآن كالالعاب الاولمبية, اما الفرضية الاكثر مغامرة, فهي التي يزعم اصحابها على ان تلك الرسومات العملاقة, ما هي سوى ارضية هبوط تحط عليها الاطباق الطائرة التابعة لسكان الفضاء! والحق ان شعب (النازكاس) نفسه لا يزال غير معروف الاصل, ولا توجد معلومات كافية عنه, اذ لم يترك وراءه اي نوع من الكتابة او اللغة التي تخلد تاريخه ومسيرته الحضارية, وربما اكثر الذين درسوا العالم المغلق, (للنازكاسيين) هي عالمة الرياضيات الشهيرة الالمانية, (ماريا رايخة) التي انطلاقاً من 1946 حتى عام رحيلها 1998 عن عمر يناهز الخامسة والتسعين, وهي تكرس نفسها للبحث في لغز حضارة (النازكاس) اي انها امضت اكثر من خمسين سنة من حياتها في البحث والتنقيب والحفر المتواصل, وقراءة معالم الارض. والذي جذب اهتماماً اكثر في حضارة (النازكاس) تلك الرسومات العملاقة ذات البعد الرياضي والفلكي المتقن, والتي من المحتمل في نظرها ان تكون رموز الآلهة او رزنامة تحدد مختلف المراحل الزراعية وقد تكلل جهد هذه العالمة الكبيرة في النهاية بتصنيف (اليونيسكو) لها عام 1994 كتراث انساني عالمي يجب المحافظة عليه ورعايته. وهناك في الحقيقة, عالم آخر سبق السيدة (ماريا رايخة) الى اكتشاف رسومات (النازكاسيين) العملاقة, واشار الى ذلك في كتاباته وهو العالم الاسباني (شيزادي ليون) في القرن السادس عشر. اما في الوقت الحالي فقد اضطلع بمهمة البحث عن تفسير علمي لتلك الظاهرة العجيبة, هو العالم الايطالي (جيو سيبي او يفيتشي) الذي يقود اليوم حوالي خمسين باحثاً دولياً مختصاً في حضارات ما قبل اكتشاف (كرستوفر كلومبس) لامريكا.