نحو خطاب اعلامي عربي متطور ، بقلم: ياسر الفهد

على الرغم من ان للاعلام العربي بعض مزاياه وايجابياته, ومع انه استطاع خلال انتفاضة الاقصى ان يحسن تصوير الممارسات العدوانية الاسرائيلية, وأن ينقل الاحداث ويفسرها بطريقة تعكس وجهات النظر العربية, مما كان له اكبر الاثر في كسب قطاعات كبيرة من الرأي العام العالمي الى جانبا, فإن هذا الاعلام, ما زال قاصرا على تحقيق كامل اهدافه, بصرف النظر عن كل المؤتمرات التي عقدت, والجهود التي بذلت, لترقيته وتطوير ادائه وتحسين فعاليته. وأول مايخطر ببالنا في هذا المجال, ان بعض منابرها الاعلامية موجهة نحو الاستهلاك الداخلي غير المجدي, بمعنى انها تهدر الكثير من الورق والمداد والجهد في نشر الادبيات وبث المواد التي تقنع العرب انفسهم بعدالة قضاياهم وبشرور الصهيونية واسرائيل, وكأن المواطن العربي لا يعرف هذه الامور, او انه يحتاج الى مزيد من التوعية بشأنها. وهذا يشكل استنزافا كبيرا للطاقات الاعلامية فيما لا طائل وراءه. والأهم من هذا بكثير, تحويل الجهود نحو الاستهداف الخارجي, اي التوجه نحو اقناع المتلقين الاجانب, القراء منهم او المستمعون او المشاهدون, وسواء كانوا من داخل الاقطار العربية او من خارجها, بشرعية مطالبنا وحقوقنا, وخطل مزاعم العدو وادعاءاته, بدلا من اقناع المواطنين العرب بذلك. وهذا يمكن ان يتحقق بواسطة البث الاذاعي والتلفازي والنشر الصحفي باللغات الاجنبية. وذلك النوع من الاعلام العربي الموجه نحو الخارج ما زال محدودا جدا ولابد من دعمه وتوسيعه الى اقصى الحدود, اذا اردنا ان نؤثر في الرأي العام العالمي, تأثيرا ايجابيا حقيقيا لصالح قضايانا. ومن المفيد هنا ان نشير الى اقتراح المجلس القومي للثقافة والاعلام في مصر, والذي دعا مؤخرا الى انشاء قناة فضائية اخبارية عربية موحدة تبث برامجها باللغات الاجنبية الحية, كالانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية وغيرها, وذلك حتى تصل اصواتنا العربية الى مسامع مختلف بلدان العالم, بلغات سكانها. وهذا اقتراح وجيه للغاية, ويجب ايلاؤه بالغ الاهتمام والجدية. وبالاضافة الى قصور الاعلام في مجال التوجه الخارجي, هناك ايضا سلبيات اخرى, ليس من السهل ان نعددها بالطبع, لان هذا يحتاج الى اكثر من مقال, ان لم يكن الى اكثر من كتاب. ولكن بوسعنا على كل حال ان نشير في هذه العجالة الى بعض الثغرات والمثالب التي تنخر في اوصال ادائنا الاعلامي وتعوق مسيرته: فهناك مشكلة شحن المادة الصحفية او الاذاعية او التلفازية احيانا بشحنات غزيرة من الانفعالية المفرطة وبفيض غامر من العاطفية المغرقة, مما يبعد المتلقين عن التأمل الهادىء والاستنتاج العقلاني السليم. صحيح ان هناك حالات تستلزم اثارة الوعي القومي والحماس الوطني, الا ان من الضروري عدم الذهاب الى ابعد مما يجب في هذا المجال, لئلا يتحول اعلامنا الى مجموعة من الخطب التلقينية, على حساب الرصانة والسرد المنطقي للوقائع. وبتعبير آخر, فإننا بدلا من الضجيج الانفعالي الصارخ والمفرقعات اللفظية العاطفية والاثارات الاعلامية المفرطة, اكثر حاجة الى رسم صورة ما يجري على الارض بموضوعية وأمانة وصدق, بعيدا عن التهويل. وهناك ايضا الخطورة الناجمة عن تحريف الاحداث وعرضها على المتلقي بعد تكييفها وفقا لرغباتنا وحسب المقاسات التي نريدها. والاجدى من هذا, ألا تكون لذاتيتنا اية بصمات على المعلومات التي ننقلها, وألا نلجأ الى اي تحريف في معالجاتنا الاعلامية. فمثلا, إذا صرح زعيم من زعماء العالم بتصريح معين, يتوجب على الاعلام, اذا كان نزيها وموضوعيا, ان ينقل نص التصريح كاملا, كما هو, وبدون اي تعديل. اما الاعلام المغرض, فإنه يقتطف من التصريح, الفقرات التي تناسب توجهاته فيبرزها, ويغفل تلك التي لا تروق له, فيحذفها. وبذلك يكون قد حرف المعنى الحقيقي. وفي العادة فإن الاعلام الموجه توجيها احاديا هو الذي يحاول تشويه الوقائع وتزوير الاحداث وطمس الحقائق, خدمة لمرامي اصحابه والمنتفعين به. أما الاعلام الحر التعددي, فإنه يعرض التطورات بمختلف المناظير, وبرؤى متباينة وبحياد ونذكر من بين المثالب الاعلامية مسألة الديماغوجية المتمثلة بمنطق الشتيمة والسباب والالفاظ النابية في بعض الاجهزة الاعلامية العربية. ولابد من الاستعاضة عن هذا النهج الغوغائي باللجوء الى الرصانة وايراد الحجج والبراهين المقنعة. ونقول للحق ان مسلك الشتيمة السياسية قد تقلص في الاعلام العربي, بالقياس الى ما كان عليه منذ سنوات او عقود. ولا ننسى ايضا تردي بعض الصحفيين العرب في مزالق المداهنة والتملق الزائفين. وبدلا من ذلك, يتوجب اعتماد مبدأ النقد الحر النزيه الذي يساعد على كشف المشكلات وحلها, دون اغفال التشجيع بالاطراء والمدايح, على ان يكون هذا بمقدار الانجاز الحقيقي على الارض. وبتعبير آخر, فإن التقريظ المفرط للمسئولين, دون وجه حق ومن غير مبرر يؤدي الى اخفاء الاخطاء وطمس الانحرافات وكذلك التشجيع, من الناحية العملية, على استمرارها وتكريسها. خلاصة القول, اننا بحاجة الى اعلام عربي متطور في الخارج والداخل. وهذا يعني من جهة, التوسع في المادة الاعلامية التي تنشر وتبث باللغات الاجنبية. كما انه يعني من جهة ثانية, التخلي عن الانفعالية المفرطة والديماغوجية اللفظية والتوجيه السياسي والتمجيد غير القائم على اساس, وبالتالي التوجه نحو مزيد من العقلانية والاقناع والتعددية والموضوعية والحياد العلمي, بالاضافة الى امور اخرى لا يتسع المجال لها هنا. كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات