مما لاشك فيه أن للولايات المتحدة مصالح مهمة في منطقة الشرق الأوسط, لعل أبرزها اعتمادها بنسبة 51 بالمائة من احتياجاتها النفطية على بلدان هذه المنطقة, وضمان أمن مسار شحنات هذا النفط ، من مراكز انتاجه عبر الممرات المائية الى الدول الغربية, وذلك بأسعار مقبولة, وهو ما يتطلب في النظرة الأمريكية تحقيق قدر كبير من الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط. إلا أن هذا الاستقرار أصبح مهددا بفعل الأطماع الاسرائيلية اللامحدودة على حساب الدول العربية, وما تعكسه هذه الأطماع من ممارسات اسرائيلية عدوانية تتسم بالوحشية والدموية كما هو قائم حاليا ضد انتفاضة الأقصى الفلسطينية, الأمر الذي أدى الى ردود أفعال عربية واسلامية غاضبة زادت من حجم أعمال العنف والعنف المضاد.. ولقد كان من الممكن أن تنحصر هذه الأعمال في الدائرة العربية الاسرائيلية, ولا تطول المصالح الأمريكية في المنطقة وخارجها, إلا أن تعهد الادارات الأمريكية المتتالية خلال الخمسين عاما الأخيرة بضمان أمن اسرائيل, والدعم الأمريكي المطلق سياسيا واقتصاديا وعسكريا لاسرائيل نتيجة ضغوط اللوبي الصهيوني المؤثر في دوائر صنع القرار السياسي الأمريكي سواء داخل البيت الأبيض أو الكونجرس بمجلسيه, وكذلك الادارة الأمريكية.. وغيرها من المؤسسات الأمريكية المهمة التي يستشري فيها نفوذ اللوبي الصهيوني, و دوره المؤثر في العملية الانتخابية للرئيس وأعضاء الكونجرس, بالاضافة لفاعليات هذا اللوبي على الصعيدين الاقتصادي والاعلامي في الولايات المتحدة.. كل ذلك جعل الولايات المتحدة في نظر العرب والمسلمين بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص مسئولة عن المذابح والجرائم والانتهاكات التي تمارسها اسرائيل في الأراضي المحتلة, وبالتالي تهددت المصالح الأمريكية في المنطقة, خاصة الوجود العسكري الأمريكي, وهو ما انعكس على سبيل المثال لا الحصر مؤخرا في الهجوم الذي تعرضت له المدمرة الأمريكية (كول) في ميناء عدن في 12 أكتوبر الماضي, وتفجير سيار ة مفخخة في الرياض يوم 17 نوفمبر , ومن قبل ذلك بسنوات عمليات أخرى ضد مساكن الأمريكيين في الرياض والخبر, الأمر الذي دفع وزير الخارجية الأمريكي (ويليام كوهين) أخيرا الى زيارة منطقة الخليج ومصر واسرائيل والأردن لاجراء استعراض سياسي عسكري للموقف الأمني في المنطقة, وشرح أهمية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتأمينه ضد العمليات الارهابية المتوقعة, رغم أن هذا الوجود الأمريكي يثير استياء الكثير من شعوب المنطقة مما أدى الى اغلاق 20 سفارة أمريكية في الدول العربية والاسلامية تحسبا لغضبة شعوب هذه الدول بسبب الدعم والمساندة الأمريكية المطلقة لاسرائيل, والانحياز السافر الذي يبديه الكونجرس لاسرائيل, والذي تمثل في القرار الفج الذي اتخذه في 26 أكتوبر الماضي, وأدان فيه السلطة الفلسطينية بسبب عجزها عن قمع الانتفاضة, وطالب الادارة الأمريكية بالضغط على عرفات والتهديد بقطع كل المساعدات الأمريكية عنه, واستخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع استصدار أي قرارات في غير صالح اسرائيل, وهو ما يعكس قدرات ونفوذ اللوبي الصهيوني التي جاوزت الحد, وأصبحت تفرض نفسها بشكل فاضح على السياسة الأمريكية, وتهدد بتقويض جملة المصالح الأمريكية والمنطقة. إلا أنه أصبح من الواضح أن هذا اللوبي الصهيوني لا تعنيه المصالح الأمريكية في شئ, ولا يعيرها اهتماما بقدر ما تهمه مصالح اسرائيل ومساعدتها على تحقيق أهدافها التوسعية في الشرق الأوسط, ولو كان ذلك على حساب المصالح والأهداف الأمريكية. تحذيرات (جورج واشنطن), (بنيامين فرانكلين) لقد سبق وحذر الرؤساء الأمريكيون الأوائل من مخاطر الهيمنة اليهودية على الحياة الأمريكية, وكان على رأس هؤلاء الرئيس جورج واشنطن الذي قال في عام 1788 محذرا: (من المؤسف أن الدولة لم تطهر أراضيها من هذه الحشرات رغم علمها و معرفتها بحقيقتهم, إن اليهود هم أعداء سعادة أمريكا ومفسدوا هنائها). وفي كتاب عن مأثوراته قال واشنطن عن اليهود أيضا: (إنهم يعملون ضدنا بشكل أكثر فعالية مما تفعله جيوش العدو, فهم أخطر مئة مرة على حرياتنا وقضايانا, وأنه لمن المحزن جدا أن كل ولاية لم تعمد منذ أمد بعيد الى ملاحقتهم باعتبارهم آفة على المجتمع). أما الرئيس الأمريكي (بنيامين فرانكلين) فقد خاطب مؤتمر اعلان الدستور في فلادلفيا سنة 1789 قائلا: (هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية, ذلك هو الخطر اليهودي. أيها السادة.. حيثما استقر اليهود نجدهم يوهنون من عزيمة الشعب, ويزعزعون الخلق التجاري الشريف, انهم يكونون حكومة داخل الحكومة. وحينما يجدون معارضة من أحد, فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا).. وكان فرانكلين في هذا يشير الى محاولات المرابين اليهود وضع (بنك أمريكا) تحت سيطرة (بنك انجلترا) الذي كان يرأسه الصهيوني المعروف (آميشيل ماير روتشيلد) وما يعنيه ذلك من هيمنة يهودية على الاقتصاد الأمريكي. ثم يضيف فرانكلين قائلا: (منذ 1700 سنة وهم يندبون مصيرهم.. لا لشئ إلا لادعائهم أنهم طردوا من الوطن الأم (فلسطين).. ولكن تأكدوا أيها السادة أنه اذا أعاد اليهم عالمنا المتحد فلسطين, فإنهم سيجدون الكثير من المبررات لعدم العودة اليها, والاكتفاء بها.. لماذا؟ لأنهم مثل الطفيليات التي لا تعيش على نفسها, انهم لا يستطيعون العيش فيما بينهم, فلابد لهم أن يعيشوا بين المسيحيين وبين الآخرين الذين هم ليسوا من جنسهم).. بالفعل ورغم هجرات اليهود الجماعية الى فلسطين منذ الثلاثينات وحتى اليوم, فلا يزال يتواجد بالولايات المتحدة حوالي 6 مليون يهودي يهيمنون تماما على مقدرات 200 مليون أمريكي, وهو ما حذر منه فرانكلين في باقي رسالته الى المؤتمر عندما قال: (اذا لم يمنع اليهود من الهجرة الى الولايات المتحدة الأمريكية بموجب الدستور, ففي أقل من 100 سنة سوف يتدفقون على البلاد بأعداد ضخمة كالجراد تجعلهم يحكموننا ويدمروننا, واذا لم يمنع اليهود من الهجرة, فإنه لن تمضي أكثر من 200 سنة ليصبح ابناؤنا عمالا في الحقول لتوفير الغذاء لليهود الذين سيجلسون في البيوت المالية مرفهين يفركون أيديهم في غبطة). ثم يذكر فرانكلين بحقيقة مهمة عن أخلاق اليهود وطبائعهم التي لا يستطيعون تغييرها, حيث قال: (ان عقليتهم تختلف عنا, حتى لو عاشوا بيننا عشرات الأجيال, فالنمر الأرقط لا يستطيع تغيير جلده, إنهم خطر على هذا البلد, ويجب أن يستبعدوا بمؤتمركم الدستوري). تغافل الأمريكيين عن تحذيرات رؤسائهم لقد صدقت توقعات (فرانكلين) اذ تحققت سيطرة اللوبي الصهيوني في يومنا الحاضر على أمريكا, وبشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ هذه البلاد, فموقف ادارة كلينتون جعلت من أمريكا تابعا مطيعا لتوجهات السياسة الاسرائيلية. يعبر عن هذا الواقع (شلومو بن عامي) وزير خارجية اسرائيل في تصريح أخير له قال فيه: (اننا لا نسعى الى وساطة أمريكية, لأننا ببساطة نحن القضاة)!! ولعدم أخذ الأمريكيين بتحذيرات رؤسائهم السابقين, تعاظم تأثير اليهود في المجتمع الأمريكي, حتى صار المال اليهودي صانع قرار أساسي في حسابات أمريكا الجيوبوليتكية, وباتت وسائل الاعلام أمريكية في ظاهرها, صهيونية في باطنها, وبذلك تمكن اليهود من احتلال مواقع مهمة في المجتمع الأمريكي.. منها أخطر مراكز في الادارة الأمريكية وهم وزراء الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات المركزية ومستشار الأمن القومي, ولأن لليهود أبواب خلفية معروفة للوصول الى مرشح الرئاسة الأمريكية, صار استرضاء اللوبي الصهيوني, والحصول على الصوت اليهودي, هو العامل الأساسي في السباق نحو البيت الأبيض وجواز المرور اليه, وبالتالي يمكن القول أن الامبراطورية الصهيونية أصبحت هي التي تحكم أمريكا فعليا, وصار الحديث في أمريكا اليوم عن سيناريو انتقال السلطة الأمريكية الى اللوبي الصهيوني بعد تحقيق الحلم اليهودي باحتمال وصول (ليبرمان) الى منصب نائب الرئيس, وتوقع وصول اليهود الى قمة السلطة الأمريكية في العقد المقبل. لذلك لا ينبغي أن تصيبنا الدهشة حينما نرى مرشحي الرئاسة الأمريكية يزايدون في كل انتخابات وكذلك مرشحي الكونجرس من أجل اظهار الدعم والتأييد والمساندة لاسرائيل, والتسابق والهرولة من أجل استرضاء اللوبي الصهيوني, ويؤكدون أن الأمن القومي الأمريكي والأمن الاسرائيلي رديفان لايمكن الفصل بينهما, فقد فعل ذلك كل من ( بوش الابن) الجمهوري, و(آل جور) الديمقراطي, ومن قبلهما الرئيس الأسبق (جيمي كارتر) الذي قال: (إن علاقة الولايات المتحدة مع اسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة, بل هي علاقة فريدة لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه, فنحن نتقاسم تراث التوراة)!! أما الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريجان) أول من أبرم اتفاقية للتعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل عام 1982 لتقنين الشراكة الاستراتيجية بينهما فقد أكد على حقيقة مهمة في هذا الصدد حين قال: (إن سياسة أي حكومة أمريكية سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية ترتكز على تحالف قوي مع اسرائيل). ولقد فطن بعض المسئولين الأمريكيين الى وجود مؤامرة يهودية خطيرة على أمريكا.. مثل رئيس الأركان السابق الجنرال (جورج براون) الذي قال: (إن اليهود واسرائيل يمارسون نفوذا ضاغطا في الولايات المتحدة, وهم قادرون على ذلك بسبب سيطرتهم على مصادر الاعلام). كذلك السيناتور (ميرفن دايمالي) الذي قال يوما: (إنني لو كنت عضوا في الكنيست لتوفرت لي حرية نقد اسرائيل أكثر مما توفر لي الآن كعضو في الكونجرس). أما (جيمس بيكر) وزير خارجية أمريكا الأسبق الذي حذر مؤخرا من انهيار عملية التسوية في الشرق الأوسط, وفقدان الولايات المتحدة مصداقيتها نتيجة محابات ادارة كلينتون المفرطة لاسرائيل على حساب المصالح الأمريكية, وهيمنة حسابات الانتخابات الرئاسية على السياسة الخارجية, كما برزت مؤخرا في عدد من مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية الأمريكية تساؤلات عديدة حول جدوى الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل.. منها: أي اسرائيل المطلوب من الولايات المتحدة ضمان أمنها: هل اسرائيل في حدود التقسيم الدولي عام ,1949 أم اسرائيل بعد عدوانها في عام ,1967 أم حدود اسرائيل الكبرى التي يطالب بها حزب الليكود من النيل الى الفرات, وغيره من الأحزاب الدينية المتطرفة؟ وما هي المساعدة الاستراتيجية التي يمكن أن تقدمها اسرائيل للولايات المتحدة في المقابل اذا ما نشب صراع دولي في منطقة الشرق الأوسط, وذلك بعد أن أثبتت حرب الخليج الثانية أن اسرائيل كانت عبء على الاستراتيجية الأمريكية, وليست عونا لها؟ وهل ينبغي أن تسلح أمريكا اسرائيل بما يفوق احتياجاتها الدفاعية, وبما يغريها على القيام بمغامرات عسكرية, ويدفع بسباق التسلح قدما في المنطقة؟ هذا بالطبع الى جانب تساؤلات عن سلبيات أخرى تعاني منها الولايات المتحدة.. مثل عمليات التجسس التي تمارسها اسرائيل ضد الأمن الأمريكي, والتي انعكست مؤخرا في قضية (مارتن أنديك) سفير أمريكا في اسرائيل, و(رونالد نيومان) سفير أمريكا في البحرين, ومن قبلهما (جون دويتش) رئيس المخابرات المركزية الأمريكية, و(جوناثان بولارد) الضابط بالمخابرات البحرية الأمريكية.. وغيرهم.. هذا بالاضافة لانتهاك اسرائيل للقوانين الأمريكية ببيعها معدات وأسلحة أمريكية للصين.. مثل النظام الصاروخي (باتريوت) ونظام الانذار المبكر الطائر (فالكون). ولقد رد حاخام ولاية نيويورك المتطرف (مردخاي واكسام) على كل هذه التساؤلات بغطرسته المعروفة قائلا: (ليست هناك مؤامرة بقدر ما هناك عمل جاد ودعم مالي جبار من كل يهود العالم للمرشح الأمريكي للرئاسة الذي يدعم قضايا اليهود, ويتبنى أفكارهم, حتى لو لم يكن شخصيا مقتنعا بتلك القضايا والأفكار). يبقى في النهاية أن نذكر أنفسنا, ونذكر هؤلاء المتهافتين على تطبيع العلاقات مع اسرائيل بقول الحق تبارك وتعالى في شأن اليهود: (هم العدو فاحذروهم). ومن لا يحذرهم من المؤكد أنه سيدفع ثمنا غاليا. خبير استراتيجي مصري