بعد أيام قليلة سيجد الصائم نفسه ضحية التلفزيون, حيث دأبت المحطات العربية على عرض افضل برامجها في رمضان ــ ولفظ افضل هنا لا يعني الجودة المطلقة بل يعني افضل ما لدى المحطة ــ لذلك تجتهد كل فضائية وارضية لاتحاف الصائم بوجبة من الفوازير والفانتازيا التاريخية والقصص المكررة والمسابقات الساذجة حتى يصاب بالتخمة. وسيجد الصائم نفسه ــ خاصة اذا كان متزوجا ولديه نصف دستة اطفال ــ متابعا لكل ما هب ودب على اثير الفضاء العربي وسيفوت عليه اطفاله ان يستمع ولو لمقدمة نشرة اخبارية, لذلك سينقطع عن العالم ولن يرى من البرامج الا (طرزان في ارض العجائب) او (ياسين بقوش في سرنديب) او اذا كان محظوظا يمكن ان يرى مسلسل (زوابع العرب في محافل العجب) وهو مسلسل تاريخي فانتازي فيه الدمقس والحرير الهندي والنساء الحسان والرجال الشجعان وكل ما لا يشق له غبار في الاقطار والامصار ولا ينتمي للعروبة بشيء سوى بلغة منتقاة من بطون المعاجم , ناهيك عن الاحداث التي تجري في ديار لم تطأها قدم عربي ذات يوم. اما اذا كان الصائم ميالا لبرامج المسابقات فان هناك مذيعة لهلوبة دلوعة تقدم له ثلاثين معلومة على مر ثلاثين يوما, نصفها معلومات ساذجة على شاكلة (الشمس بتطلع كل يوم من الشرق) او معلومات مغلوطة على شاكلة (العالم الكبير اديسون اخترع اول طيارة في العالم)! وهذه المذيعة يوجد منها عشر نسخ موزعة على الفضائيات العربية, وليس مهما ان تكون مثقفة او لديها خلفية معرفية, بل عليها ان تغمز بعينها فتطيح بأفئدة نصف مليون مشاهد ويسارعون للاتصال بها, ولكنها عندما تغمز غمزتين متتاليتين فانها تهدم استقرار الاسر الآمنة لان الزوج سيتابع... ويتابع.. ويتابع ولن اطيل المتابعة لان كل قارىء لديه تفاصيل اكثر مما يكتب هنا. ان التعامل مع رمضان من باب التسلية اصبح هاجسا اعلاميا, بمعنى ان يكون هذا الشهر الفضيل فسحة للاستعراض المجاني ولكسب المال من خلال تلك البرامج التي تهز البدن وتجلب الكآبة كما يحدث في كل سنة, واذا كنت استبق الاحداث اليوم للكتابة عن وجبة برامج رمضان فلأنني اعرف ما سيحدث وكذلك القارىء يعرف ايضا, ولكني ارثى لحال هؤلاء الذين لا يعرفون, او يعرفون ويطنشون المهم ان يكون النهار قصيرا والليل طويلا وان تتعطل الاشغال والاعمال وتؤجل المشاريع حتى تكون هناك فسحة لمتابعة ثقافة التلفزيون الى منتصف الليل ثم هناك خيمة مجاورة فيها طرب وطقش وفقش وشيشة حتى ساعة الامساك. وما اطال النوم عمرا... حسين درويش