واحد من المنتمين إلى طبقة الفقراء, أفقر الفقراء. حياته جوع وضياع وحاجة. مرّت عليه أزمنة أكلت عمره, وأبقت له بقايا عظام متهالكة وروحا مليئة بالأسى والسخرية. في أيام لم يجد مأوى يضمه فسكن المسجد, وأيام لم يجد ما يلبسه, بليت ثيابه وتقطعت أطرافها وأصبحت لا تستره. ومرت عليه ليال تساوت في كثرتها مع النجوم التي تتزايد كل يوم, والتي لا تأتي إلا في الظلام. هذه الليالي كان طولها عنده يوازي المسافة بين وهم اللآل وطعم الظمأ. لا ينام فيها من شدة الجوع. وأذاقته الحياة من كأسها ما هو أشد مرارة, فلم يكن سيدا, ليس بالإنسان الحر, لا يملك حتى نفسه, انه مجرد (خادم) في عصر ازدهرت فيه تجارة العبيد. عاش عند (أعمامه), وكان الدهر شحيحا وقاسيا عليهم جميعا. هكذا كانت حياة (ربيّع). ومات مثلما عاش من غير راحة أو مسرة, محملا بالعذاب والتعب. ولم يترك من كل هذه الرحلة والشقاء سوى إبداع شعري, وكأن مرارة العيش هي التي ولّدت الثورة في دواخله. كان مبدعا, وهذا ما بقي منه. (ربيّع), او ربيّع الشاعر, قامة شعرية, سجله التاريخ الشفهي بهذا الاسم الوحيد, وحفظت له قصائد معدودة, واستمر النحس معه حتى بعد مماته, فضاعت كثير من أشعاره وسيرة حياته. هذه قصيدة زودني بها الاخ المقدم احمد بن ثاني, يتحدث فيها (ربيّع) عن معاناته في الحياة, عن هذا البحر الذي يعيش عليه, يشكو منه, من أهواله, من حالة السفر المتواصل وما في الرحلة من مخاطر ومعاناة. يتمنى أن يكون مثل أولئك الذين يسكنون البر, في الوطن مستقرين, لهم سكن وعندهم الصحة ويشاهدون الغيد الجميلات. إن حياة البحر عنده مثل القبر, حياة لا سرور فيها ولا هناء, يقول : يالابتي لو بنتمنّا لا خير في سعّاي لبحور لي في الوطن في خير عنّا ما بلّهم سيل ولا مطور أمسو على مطلوب فنّا ما بين خود وغيد وحور ولاّ نحن ما يسال عنّا في صافج عاثر ومقشور لابيت لاشي مذرّينا بين السما وتراب لقفور فرغت عوافينا أشمنا ما باقي إلا ارواح ادّور هذا الزمان أملتهنّا دون الذرا مع زين لخصور فضلت عساها أتمّ عنّا هذي حياة ما بها سرور حشا حشانا ما أنتهنّا أولا لنا لو وسط لقبور عمه الشاعر محمد بن خليفة الهاملي, عندما سمع قصيدة خادمه (ربيّع) وهجومه الشديد على البحر, رد عليه مدافعا عن هذا البحر,إنه مصدر الخير والرزق, وان الحياة عليه والسفر فيه منذ ايام سيدنا نوح. يقول له : ان (الخفرات) الجميلات, اللاتي تتحدث عنهن, ماذا ستلبسهن, ان زينة المرأة من البحر, او نأتي بها من بلاد بعيدة بواسطة البحر, إذهب انت واحضر ثوباً (لمزرّي ) من البر. يقول في رده : هاض الكنين بجيل فنّا رد لجيل العبد بقرور أخطا وفي قوله تثنّا ولا عرف مجراه شيصور بينه وبن الهزر ضنّا ويصيب كان الياه بدوّر ولاّ البحر لي مساعفنّا في كل ما نشكي ما لقصور لدوام فيه إيسافرنا من يوم نوح وفار تنّور شنلبسّ الخفرات حنّا؟ سر هات لمزرّي مالبرور ! الشاعر سالم الجمري وكان صديقا للهاملي, سمع القصيدتين, ودخل معهما في السجال الشعري,إلا انه وقف في صف العبد (ربيّع ) مخففا من معاناته, الأمر الذي أثار صديقه الشاعر محمد الهاملي, فكانت بداية خلاف وقطيعة بين الشاعرين, استمرت فترة طويلة. يقول الجمري في قصيدته : ياك النّبا ياذا المعنّا عزّي لحالك ثم مجبور أمر جرالك وأستسنّا تكفي منه حالات لخطور لو تستصيّخ النصّح منّا ماذال حالك الدهر ذور تصبح وتمسي فالسفنّا ومجزّر أيامك في لبحور مالك صديج ولامظنّا غير الصدا وخبّاط وطيور من فارق الحييّن حنّا حنين من فارق ومضيور حتّى بنومك ماأتهنا وذنيك تسمع كلمة أيدور وأن سلت عن لي في الوطنّا صبح ومسا مع زين لحضور تصبح زواياهم تبنّا مالعنبري والمسك مخمور وتبقى هناك قصائد وقصص وردود شعرية بين هذه القامات الشعرية : الجمري والهاملي وربيّع, تحتاج الى من يبحث فيها ويخرجها. جيل لا يعوض في ابداعه وروائعه..