موقف جلل. عندما كان الرئيس الامريكي بيل كلينتون يفحص يوم السبت 18/11/2000 رمادا بشريا يمثل كل ما تبقى من كتيبة عسكرية امريكية قضى عليها ما كان يسمى (الفيات كنج) اي المقاومون الصامدون الذين ثاروا ، ضد امريكا المحتلة الغازية وكان يقودهم الزعيم الاسطوري هوشي منه. موقف جلل وملحمة عظمى اعادتها للذاكرة وللضمائر صور الزيارة الرسمية والغريبة التي يؤديها الرئيس كلينتون وهو الرئيس الامريكي الذي كان معارضا للحرب القذرة عندما كان شابا في مطلع السبعينيات, مثله مثل الملاكم الامريكي المسلم محمد علي كلاي. امتنع كلينتون من الاعتذار الرسمي عن ذلك العدوان الدموي لكنه اشار في خطابه امام طلبة الجامعة الفيتنامية الى الثلاث ملايين ضحية, ووصفهم كلينتون بالأبطال. كانوا بالفعل ابطالا.. واذكر انني وجيلي في العالم العربي منذ اواخر الستينيات ابان انتصار الفيتنام عام 1975 كنا مبهورين بمقاومة ذلك الشعب العنيد الصابر المقاتل وكنا نكتب المقالات والقصائد في تمجيده وكان رؤساء التحرير يرفضون نشرها, وكنا معجبين بشخصية ذلك الزعيم المتصوف هوشي منه وبابتسامته الوديعة ومعجبين بالمدرسة الابتدائية الفيتنامية التي انتصبت في جوف طائرة ب 26 الامريكية التي اسقطها الابطال في ادغال فيتنام وكنا طلبة في الجامعة التونسية لا تخلو مظاهراتنا واجتماعاتنا من اشادة بشعب فيتنام ودعاء بنصرة القريب خاصة حين كنا نرفض مشروع روجرز للسلام في الشرق الاوسط. منذ ذلك العهد.. عهد فرار الجيش الامريكي بجلده من جحيم فيتنام بعد اعمال قمع وحشية.. حيث اباد الامريكان قرية ماي لاي كاملة بأطفالها ونسائها وشيوخها... منذ ذلك العهد ونحن نقول ان المجتمع الامريكي لابد اعتبر بذلك الدرس القاسي ولابد ان جيلا امريكيا جديدا ولد من رحم تلك الفاجعة مع مئات الروايات الادبية المنددة بالحرب وآلاف الدراسات الجامعية والاستراتيجية التي استخلصت الدروس من العبث والعربدة وسوء التقدير. منذ ذلك العهد, ربع قرن مضى, وجرت مياه دافقة في نهر الميكنج ونهر الميسيسيبي وجرت انهار من الدم في اخت هانوي اي القدس الشريف... ولكن الامبراطورية الامريكية مع الاسف لم تعقد المقارنة التاريخية الطبيعية والساطعة بين ما حدث في فيتنام وما يحدث في اكناف بيت المقدس. المظالم العبثية نفسها, مسلطة على الشعبين, القهر الاعمى نفسه. نفس الآلة العسكرية الجبارة الصماء, الابادة نفسها, الخروج نفسه عن القانون الدولي وحق تقرير المصير, نفس حق القوة لا قوة الحق, وفي الجانب المقابل نفس المقاومة ونفس الاصرار والارادة, والشهداء انفسهم يقدمون بسخاء. نفس عيون قرية ماي لاي وبيت ساحور وبيت جالا. جيلان ولدا ونشأ وترعرعا في الحرب والظلم. جيل فيتنام 1950 ــ 1975 عندما هزم الشعب الفيتنامي امبراطورية فرنسا في معركة (ديان بيان فو) الشهيرة ثم عندما هزم امريكا. وجيل فلسطين من عام 1948 الى ثورة القدس اكتوبر 2000, لكن لم تعتبر الامبراطورية التي حاربت فيتنام مباشرة وتحارب شعب فلسطيني بأيادي اسرائيل. ذلك كان احتلالا غاشما وهذا هو احتلال غاشم. تلك كانت مقاومة باسلة وهذه مقاومة اخرى باسلة. ملحمتان من اروع ملاحم التحرير.. في تيار التاريخ والحق.. التيار الجارف الذي هو قدر الشعوب الثائرة المجاهدة الصامدة. ان الفيتنام المنتصر كان المعجزة الثانية التي عشت تحقيقها في غمرة النشوة وعدم التصديق.. بعد المعجزة الاولى عام 1962 تحرير الجزائر وسيكتب لي الله ان ارى تحرير فلسطين.. بالطبع بنواميس اخرى مختلفة, فالتاريخ لا يعيد نفسه ولا يكتب مرتين بالحبر نفسه لكنه سيكون انتصارا لانه قدر الشعوب اذا ارادت الحياة.. فلابد ان يستجيب القدر كما قال شاعرنا ابو القاسم الشابي ولكن السؤال هو: بعد كم عام سيأتي رئيس امريكا القادم الى فلسطين الدولة الحرة ليشق طريقه وسط جماهير لم تعرف الحرب في شارع عليه يافطة: شارع محمد جمال الدرة.. ليطلب العفو من ابناء او احفاد الجيل الحاضر على العمى الذي كان اصاب رئيس الولايات المتحدة والكنجرس منذ سنوات عديدة مضت... عام 2000.