ان التطورات التي بدأت في انتفاضة الاقصى في الشهر الماضي تؤكد لنا انها بدأت كنتاج عن حالة يائسة ولكنها متفائلة بالوقت نفسه بإمكان تحقيق نتائج. وقد تحولت الانتفاضة الى عملية تاريخية تأخذ اشكالا مختلفة، وتتعدد في تعبيراتها وفي طرق تأقلمها, فأحيانا تتزايد حدتها واحيانا تتزايد وتيرتها وحالة اشتعالها وذلك ردا على طبيعة تعامل اسرائيل معها. فإن ارتفعت حدة العنف الاسرائيلية ارتفعت حدة العنف المضادة, وأن تمادت اسرائيل في اساليبها ازدادت الانتفاضة عنفا في تعبيراتها. وقد تهدأ الانتفاضة في مراحل وذلك كما تهدأ عناصر العاصفة قبل ان تنطلق, فهذه هي دائما قصة الثورات الوطنية عندما تدخل في مراحل حاسمة ونقاط انعطاف. فيما نرى اذن ثورة حقيقية ضد اسرائيل وعنفها وعدم استعدادها للانسحاب, وهي ليست في طريقها للاختفاء قبل تحقيق الهدف الرئيسي منها: اقناع رئيس الوزراء الاسرائيلي والحكومة الاسرائيلية والشعب الاسرائيلي بأن الطريق الافضل للسلام يقوم على انسحاب اسرائيل الكامل من الاراضي التي احتلت عام 1967 بما في ذلك سحب للمستوطنات وحل حقيقي وشامل وعادل للقدس وللاجئين. ان جوهر الصراع الراهن مرتبط اساسا بانهاء الاحتلال الاسرائيلي, وهذا ما لا يبدو انه سيتحقق في المدى المنظور وذلك لقناعة اسرائيل باستمرار الاحتلال والسيطرة , اضافة لايمانها بامكان تحقيق حل عسكري للصراع مع الفلسطينيين. وهنا تكمن الخطورة الاكبر في الموقف. اذ تشعر اسرائيل انها تخوض اخر وأهم معاركها وهي لهذا تواجه الفلسطينيين بشراسة. ومن هنا لهذا الصراع عمقه العربي وقيمته العربية التي يجب الالتفاف لها. فبدون موقف عربي يزداد تعمقا وقيمة فإن الثمن الذي يدفع في فلسطين والثمن الذي يدفع في المواجهة الراهنة سوف ينعكس سلبا على العالم العربي الذي له كل المصلحة في دحر الاحتلال الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية اضافة للحفاظ على المقدسات الاسلامية. ان سياسة الارهاب المسلح, وسياسة القتل, والتشريد, والمحاصرة والحرمان والتجويع وقطع الماء والكهرباء لن تؤدي سوى لمزيد من الاصرار على تحقيق دحر للاحتلال الذي يسبب كل هذا. المأزق السياسي اذن واقع تاريخي بين الطرفين. طالما ان اسرائيل تعتقد بامكان حل عسكري لصراعها فلن يكون هناك نهاية للصراع, ان المعضلة الرئيسية اذن هي في القناعات الاسرائيلية, وهي قناعات لن تتغير الا بتضحيات كبيرة من قبل الفلسطينيين, وهذا ما يتم اليوم. فهناك ألوف الجرحى, وهناك مئات المعاقين اعاقة دائمة, وهناك مئات الشهداء. وهناك تدمير كبير للبنية التحتية الفلسطينية. ومع ذلك فهذه التضحية هي الوحيدة الممكنة لانقاذ الاقصى ولانقاذ الاراضي الفلسطينية المتبقية بعد سنوات من التشريد والحروب والاضطهاد وغياب الخيارات. في هذه اللحظة التاريخية التي لا تقل قيمة عن اللحظة التاريخية التي انتجت استقلال الجزائر, على العرب ان يطوروا من دورهم ومساهمتهم. فللعالم العربي دور يساهم في تحويل الوضع نحو انسحاب اسرائيلي كامل من الاراضي المحتلة. بل يمكن القول انه كان للوضع العربي مسئولية وقوع هذه الاراضي تحت الاحتلال الاسرائيلي عام 1967, وأن المسئولية العربية في المساعدة على تخليص هذه الاراضي لا تقل عن المسئولية تجاه ضياعها في السابق, بمعنى اخر يمكن الجزم بأن البلاد العربية تعيش مرحلة حساسة للغاية ستقرر الفارق بين مصير وآخر ومستقبل وآخر. فالعالم العربي لن يتحمل هزيمة جديدة ومئات الألوف من اللاجئين وسواد حالة اثارة للشارع العربي, واستمرار لحالة حرب مع اسرائيل لجيل او لجيلين. ان المساعدة العربية التي تهدف الى تحقيق صمود الشعب الفلسطيني على أرضه اضافة لمنع اسرائيل من تجاوز الخطوط الحمراء هي اقصر الطرق لتحقيق اهداف الامن العربي الاقليمي على تلك الجبهة الحساسة في الصراع مع اسرائيل. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت