جاء قرار الحكومة المصرية بسحب سفيرها من تل ابيب كتذكرة للدولة اليهودية بأن التصعيد في العنف لا يفرز تصعيدا مضادا مماثلا من الجانب الفلسطيني فحسب بل يفرز ايضا تداعيات خارج الحدود من الصعب، التنبؤ بها مسبقا. ومشكلة القيادة الاسرائيلية الراهنة المتمثلة في رئيس الحكومة ايهود باراك هي انها بارتهانها الى المزايدات الحزبية الداخلية مع المعارضة الليكودية فقدت القدرة على التقييم الموضوعي والحساب الدقيق لممارساتها تجاه المشهد الفلسطيني ومحيطه العربي. ولذا فانها سوف تظل موعودة دون ان تدري بمفاجآت تلو مفاجآت. ولعل احدث مفاجأة على الصعيد الداخلي تعكس ضعف الحسابات الاسرائيلية حادثة تفجير الحافلة هذا الاسبوع التي اودت بحياة اسرائيليين. فقد سمع العالم قبل اقل من 24 ساعة من وقوع الحادثة تقييما اسرائيليا رسميا للوضع الفلسطيني ومسار الانتفاضة على لسان رئيس الاركان الاسرائيلي الجنرال موفاز قال فيه بنغمة اطمئنانية انه يعتقد ان الفلسطينيين (اصابهم الانهاك). وجاءت حادثة التفجير في اليوم التالي مباشرة لتنسف فيما نسفت هذا التفكير الرغبوي. على الصعيد الخارجي جاءت مفاجأة مصر بسحب سفيرها ولما يفق باراك بعد من مفاجأة محاولة اغتيال مساعد القنصل الاسرائيلي في السفارة الاسرائيلية في العاصمة الاردنية عمان. وقبل ذلك بأسابيع كانت مفاجأة تفجير المدمرة الامريكية (كول) في ميناء عدن اليمن. ورغم ان الحادثة موجهة الى هدف امريكي فان صلتها بالانتفاضة الفلسطينية كرد فعل على التواطؤ الاسرائيلي الامريكي الاجرامي ضد الشعب الفلسطيني لا تخفى. وهكذا لا يلو التصعيد الا تصعيدا ولا تفرز القسوة الا غضبا وشعورا جارفا بالثأر يؤدي المزيد من التصعيد الى ترجمته كفعل على ارض الواقع. ومن هذا المنظور فان القرار المصري العظيم تعبير عن غضب حكومي يترجم غضبا شعبيا. ليس هذا استنتاجا. فقد قال وزير الخارجية المصري عمرو موسى ان القرار يعكس (الاستياء الشديد) لمصر من اسلوب التعامل الاسرائيلي مع الانتفاضة. وعندما سأله الصحفيون عن سبب اتخاذ القرار قال بمنتهى الصراحةك (لكل شيء نهاية. فالامور تظل تتراكم حتى تأتي اللحظة التي يجب الرد فيها). وللقرار المصري مغزى اخر. فهو ربما يكون دليلا على ان الحكومات العربية, او بالاحرى بعضها, وعت درس الفوران الشعبي العارم في الشارع الذي رافق المرحلة الاولى من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. واستفادة من هذا الدرس ربما رأت حكومات ان الافضل, مع تصاعد العنف الاسرائيلي والعنف الفلسطيني المضاد, استباق تجدد الفوران الشعبي الحتمي بخطوة ايجابية ما ترضى الشارع قبل ان يرتفع سقف المطالبة الشعبية. وايا كان الامر فان الخطوة المصرية بسحب السفير خطوة وطنية وشجاعة في الاتجاه الصحيح.. ولا تنحصر قيمتها في ذاتها, مع علو هذه القيمة, انما تتجاوز ذلك لتكون نموذجا حافزا لحكومات عربية اخرى لاتخاذ خطوات في الاتجاه نفسه. فعندما تكتمل نشوة الشعوب العربية بهذه الخطوة فان الشعوب العربية بهذه الخطوة فان الانظار سوف تتج بطبيعة الحال من القاهرة نحو العاصمة الاردنية عمان. فهل يعي باراك الدرس؟