المؤكد أن مشكلات المرأة هى جزء من مشكلات المجتمع, ومشكلات المجتمع هى مشكلات المرأة, كما أن أى تقدم فى أى من الطرفين هو تقدم للطرف الثانى. بالمنطق نفسه, توازى العلاقة بين المرأة والاعلام والعلاقة بين المرأة ، والمجتمع, ومن ثم فإن أى حديث عن الإعلام والمرأة هو حديث عن الاعلام والمجتمع, ولكن من زاوية بؤرة تكثيف ننظر منها إلى بقية الزوايا. ومن ناحية موازية, فإن كل أجهزة الاعلام ووسائله يفترض أنها تهدف إلى الإسهام فى تقدم المجتمع وتطويره, وذلك بوضع المجتمع أمام نفسه كى يتطلع إلى حاضره كما لو كان ينظر فى مرآة, ليرى عيوبه, ويدرك مواطن قوته, وإمكانات تفوقه. والغاية النهائية هى دفع المجتمع كله إلى الحركة صوب الغد الذى لابد أن يكون أكمل من الحاضر وأفضل من الماضى. وأتصور أن مقياس نجاح الإعلام فى تحقيق مهمته هذه هو مراجعة ما أنجز على أوضاع الواقع الفعلى وشروطه, وذلك لإدراك مدى ما تركته وسائل الاعلام المختلفة من تأثير ايجابى فى مواجهة مشكلات المجتمع القائمة, ولو تحدثت عن مشكلات المجتمع القائمة بوصفها اطارا للقياس تداعت على ذهنى, عفويا, مشكلات أصبح لها تأثيراتها السلبية المتزايدة فى العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل: متغيرات اقتصادية نتج عنها تآكل الطبقة الوسطى فى عدد من الأقطار العربية. انفجار سكانى بمعدلات تؤدى الى اعاقة خطط التنمية فى البلدان العربية كثيفة السكان. تصاعد درجات العنف فى المجتمعات العربية سلوكا ومخاطبة وأفعالا بدرجات متفاوتة بالطبع. تصاعد ظاهرة التطرف الدينى بكل لوازمها فى غير قطر عربى. استمرار تقليدية الخطاب الدينى ونمطيته وعدم تجديده بما يواكب متغيرات العصر, خصوصا فيما يتصل بالنظرة العامة إلى المرأة. عدم وجود حوار مجتمعى فعال وفاعل ومتكامل فى غير حالة عربية. هبوط المستوى الثقافى العام وتزايد مستويات الأمية الثقافية بدرجات متفاوتة على امتداد الوطن العربى. ارتفاع معدلات استخدام التكنولوجيا العالية مقابل نزول معدلات الوعى العلمى العام الذى لا تزال تهدده الخرافة. غلبة القياس على الماضى والتعلق به بدل التطلع إلى المستقبل والتفكير العلمى فى احتمالاته. زيادة درجات التلوث فى البيئة, وتقلص الشعور بالنظافة العامة, وتناقص الاحساس بالذوق والجمال. والسؤال الذى يمكن أن نطرحه على أنفسنا بعد تعداد هذه المتغيرات هو السؤال الذى يقول: ترى ماذا يمكن أن تكون النتيجة لو قايسنا بطريقة عفوية المنجز الاعلامى الحاضر فى مجمله على هذه المتغيرات السلبية؟! مؤكد أننا سنرى ايجابيات كثيرة, وتجارب رائدة وبدايات واعدة, وشخصيات تستحق كل احترام, لكننا من ناحية مقابلة سوف نجد المسافة كبيرة جدا بين الممكن الذى نتطلع اليه والواقع الذى نلمسه, وان قدرتنا على الفعل أكثر مما نحققه بالفعل, الأمر الذى يدفعنى الى تأكيد أن كثيرا من المشكلات التى أشرت إليها تسقط جزئيا, أو كليا, من بؤرة التركيز الاعلامى الحكومى وغير الحكومى, كما أن أغلب هذه المشكلات لا تعالج, اعلاميا, معالجة جذرية, أو جسورة, أو غير تقليدية, فى الأغلب الأعم. ولذلك تبدو صورة المرأة فى ارتباطها بالمشكلات التى تدخل العدسة الاعلامية صورة نمطية, تقليدية, سلبية, لا تعكس متغيرات المجتمع وتنوع فئاته بأمانة, ولا تؤدى إلى دفع ممكنات الحاضر إلى وعود المستقبل. يوازى ذلك لا نزال نواجه, الى اليوم, صحفا ومطبوعات تغذى خطاب العنف فى المجتمعات العربية بوجه عام, وخطاب العنف الموجه ضد المرأة بوجه خاص. ولا يتورع كتاب هذه الصحف والمطبوعات من استخدام ما يتنافى والآداب العامة فى الحديث عن مطالب المرأة العادلة أو أنشطتها الثقافية. وكثير مما نال مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية فى مصر من هجوم ليس سوى تجسيد بارز لممارسة خطاب العنف, وكثير مما نال المشاركات فى المؤتمر الذى عقد بمناسبة مرور مئة عام على صدور كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين تجسيد مضاف, يدل على عنف الكتابة عن المرأة الجديدة, أو الخارجة على التقاليد ولذلك لا نزال, الى اليوم, نبتلى بصحف تحض على التعصب الفكرى والتطرف الدينى, كما تحث على التقهقر بالمرأة الى قرون ماضية من التخلف الاجتماعى والسياسى والثقافى. وفى المقابل لا تزال المرأة تتناول فى بعض المجلات والصحف, وفى بعض اعلانات التلفزيون وغير الاعلانات, بوصفها جسدا خالصا, لا وظيفة له أو لها الا اثارة الرغبة الجنسية. وغير بعيد عن هذا السياق ما نلاحظه من أن الكثير من البرامج التلفزيونية والمسلسلات الاعلامية تقدم, فى حالات كثيرة صورة مهينة لعقل المرأة وفكرها, خصوصا حين تلح هذه البرامج والمسلسلات على تصوير المرأة بوصفها كائنا انفعاليا, هشا, مذعنا, لا عقل له. ويؤكد ذلك أن برامج الثقافة فى التلفزيون بوجه عام, خصوصا ما يتصل بثقافة المرأة, لا تزال أقل فاعلية فى تحقيق أمانى (المرأة الجديدة), سواء من حيث الكم أو التنوع أو الاعداد أو وقت الإرسال أو المادة الثقافية المبثوثة, ولا تزال الانجازات التاريخية للمرأة المصرية كرائد للعمل النسائى فى تاريخنا القومى متجاهلة أو مهمشة, وذلك بالقدر الذى لا تزال به المرأة نفسها هامشية الحضور فى البرامج الثقافية بالقياس إلى الهيمنة الثقافية للرجل. ولا ينفصل عن ذلك ما نلاحظه على البرامج الدينية التى لا تزال بعيدة عن المرأة فى نماذجها العصرية المتنوعة, يغلب على هذه البرامج, عادة, الكم المتزايد وليس الكيف المؤثر, كما لا تزال الدراما الدينية تفتقر فى الأغلب الى جاذبية الفن الذى يحقق السمو الروحى والانفتاح العقلى والمتعة الفكرية فى وقت واحد. ويكمل الصورة ما نلاحظه من ضعف الجوانب الابتكارية فى أكثر برامج الأطفال وما يخصها دراميا, حيث تسهم هذه البرامج, على نحو غير مباشر, فى تسطيح خيال امرأة الغد ورجل المستقبل, فهى برامج لا تزال تفتقر, جذريا, إلى جسارة المخيلة الطفلية التى تنطلق بالوعى الى ما لا نهاية لحدود ابداعه, فتعود الطفلة والطفل على الابتكار الدائم الذى يلازم استقلال التفكير وطموحه. والذى أجرؤ على القول ان المسافة كبيرة جدا بين الممكن والذى نرجوه والواقع الذى نلمسه, وان صورة المرأة المكرسة اعلاميا, الى اليوم, صورة لا تتناسب مع واقع هذه المرأة وحركة طليعتها الواعية, الأمر الذى يؤكد اننا فى أمس الحاجة, قوميا, الى خرائط عقلية واجتماعية جديدة لابد من التفكير فيها اعلاميا, وبرامج حديثة لابد من اعدادها بعقليات جديدة وأجيال جديدة, كما لابد من التفكير الابداعى فى أشكال درامية مغايرة, أشكال تستجيب الى متغيرات الواقع وتجسد نماذجه النسائية الصاعدة على طريق التقدم المستمر. ولابد فى الوقت نفسه, مساءلة جذرية لكل مايتصل بالمرأة فى الصحافة القومية وغير القومية, وذلك من منظور هدف التنمية الشامل ومسعى التقدم المتصل وغاية التحرر المستمر للمرأة وتطوير أوضاعها على كل المستويات, وفى كل البيئات والطبقات. وبداية ذلك أمانة مواجهة الواقع فى تنوع فئاته وتعدد مجالاته, والانحياز لقيم المجتمع المدنى التى تحمى المرأة الجديدة وتفتح أمامها الأبواب المغلقة, والبحث عن وجوه جديدة تدعم حراك الأجيال وتعكس المتغيرات الواعدة فى المجتمع.