قبل الولوج في الحديث عن قمة مرسيليا الفرنسية, التي عقدت مؤخراً ,لا بد لنا من الاعتراف ,بأن علاقة الشراكة العربية الأوروبية المتوازنة القائمة على احترام الخصوصية ,وليس المتوسطية فحسب , تشكل حجر الزاوية بالنسبة لكلا الطرفين على كافة الأصعدة, وفي كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقانية والتنموية والمالية والتجارية والثقافية ..الخ. وأن الوطن العربي ومن خلال التواصل الجغرافي والتداخل الثقافي التاريخي ,وبالأخص مع الدول الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط, يعتبر الشريك الموضوعي والمميز للأمم الأوروبية, وقد لا أبالغ القول بأنه الرئة التي تتنفس منها دول أوروبا عموماً وبلا استثناء شرقية كانت أم غربية ,والتاريخ يبقى الشاهد الحي على جملة هذه الحقائق, بعيداً عن استجلاب ما مضى من أحداث حملت الكثير من الصراعات الدامية المؤلمة, واجترار المراحل ,وما شابتها من علاقات واشكال مشوه فرضت من طرف واحد استناداً إلى عوامل القوة والقهر والاستلاب, وشكلت فيما كان يسمى بظاهرة الاستعمار الأوروبي الحديث. وأن هذه العلاقة أو الشراكة حسب المصطلح الجاري ,باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى لكلا الطرفين وبذات المستوى ,لأنها وحدها الكفيلة على تقديم الإجابات الصحيحة نحو تعزيز التعاون الإقليمي الذي سيؤدي بالضرورة إلى حالة الاستقرار القائم على أساس من التصالح, كمقدمة لعلاقة مميزة مع هذا الجزء من الجنوب الذي لا يزال يعاني من اختلال هذه العلاقة لمصلحة الطرف الأقوى المتمثل بالشمال الأوروبي. خاصة بعد أن وعى جيداً الطرف الأوروبي لحقيقة الموقف العربي الواضح والمنادي بعدم التدخل في الشئون العربية الداخلية ,ومحاولات إيجاد ثغرة في الصف العربي, والتي قد تؤدي إلى تقسيمه هو الآخر بين مشرق ومغرب ,من أجل منعه إلى التوصل لرسم سياسة استراتيجية تحدد العلاقات المستقبلية بين أطرافه المكونة بمجموع أقطاره. وأصبح يدرك أكثر من أي وقت مضى, الطرف الأوروبي ,جيداً بأنه لا بد من أن يكون عاملاً مساعداً لتدعيم العلاقات الثنائية العربية العربية والعربية الأوروبية ,كرؤية عربية ذاتية, وقد توصل إلى هذه الحقائق الشريكان الألماني والفرنسي أكثر من غيرهما من بقية الدول الأوروبية الأخرى. وظهر هذا التفهم بكل تجلياته في مؤتمر برشلونة الذي عقد في إسبانيا في وقت سابق والذي نص على احترام العلاقات التبادلية التي تطال كافة السلع دون استثناء, مع الأخذ بالحسبان العثرات التي ستواجهها بعض اقتصاديات الدول العربية ,خاصة المؤسسات الصناعية الغير قادرة على المنافسة وبعض المدخولات المتأتية من الضرائب والرسوم, وهذا ليس مجال بحثنا في هذا المقام .وما يهمنا محاولة الشريك الأوروبي التقليل من شأن الصراع العربي الإسرائيلي, بل والانحياز للطرف الإسرائيلي بشكل واضح لا لبس فيه ,مغفل من أجندته بأن أي شراكة بين الطرف الأوروبي والطرف العربي, لا يمكنها أن تقفز على حقيقة الصراع القائم, وأن تطوير التعاون الأوروبي ــ المتوسطي, والتعاون الأوروبي العربي ,يملي على الطرف الأوروبي بأن يقدم برامج وتصورات عملية, وأن يستخدم قوته ونفوذه من أجل التوصل إلى إيجاد حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي. لان هذا الصراع لايزال يشكل العقبة الكبرى في طريق تقدم هذه العلاقات وهو الذي لايزال يؤخر قطف ثمارها المتوخاة, رغم أن الطرف الآخر الأوروبي لايزال مصراً على التقليل من أهميته باعتباره عقبة من جملة العقبات التي تواجه العلاقة العربية الأوروبية بكل مسمياتها.لكن ومن قبيل التذكير بأنه لولا مؤتمر مدريد الذي شكل مدخلاً للتسوية الشرق أوسطية, ما كان لمؤتمر برشلونه وغيره أن يرى النور ولمفاوضات المتعددة وغيرها التي عقدت في أكثر من عاصمة أوروبية وعربية بما في ذلك كندا أن تلتئم بهذا الحشد الكبير من الأعضاء, والتي وقعت كلها تحت عنوان الشراكة. وهنا لا بد من القول أن المناداة الأوروبية المتكررة في العديد من المحافل الدولية, والتي تتضمن تقديم التسهيلات التجارية والاقتصادية مع الدول العربية, لا يمكنها أن تقفز على حقائق الصراع المتأصل والمستشري بالمنطقة العربية وما ينذر به من صراعات على المدى المنظور. وأن الشراكة الاقتصادية والتجارية لا يمكنها أن تبنى بمعزل عن واقع المنطقة السياسي المتأجج, وسيبقى هذا الوضع بكل ما يحمله من مفاجأة مأساوية يحول دون قيام بناء روابط متوازنة وصحية, يؤدي إلى خلق آليات وأسس متواترة تسير بانتظام خاصة وأن العرب منذ الخمسينيات من القرن الماضي يقاتلون بكل ما لديهم لتجاوز مقولة البقرة الحلوب. وأما المواقف العربية التي اتخذت إبان انعقاد مؤتمر الشراكة الأوسطية الأوروبية في مدينة مرسيليا الفرنسية خاصة من الجانبين السوري واللبناني في الامتناع عن حضور هذا المنتدى بسبب الحضور الإسرائيلي, قد نبهت العديد من القوى الإقليمية والدولية على مدى الفجوة بل والخذلان التي تمارسها الدول الأوروبية إزاء القضايا العربية ومن بينها قضية الصراع العربي الإسرائيلي .وأثارت الكثير من التساؤلات الأوروبية ولاول مرة بشكل جاد عن مدى خطورة إدارة الظهر المتبعة, بل وعدم الاكتراث من قبل الطرف الأوروبي, منذ فترة لا يستهان بها لقضايا المنطقة ,والذي بدورة قد يخلق عند الأطراف العربية قناعة بأن أوروبا تقبع هي الأخرى في الخندق المعادي, لدرجة يدفع بالعرب دفعاً إلى البحث الجاد عن شركاء آخرين غير الشريك الأوروبي, أو على أقل تقدير بموازاة الشريك الأوروبي .خاصة بعد أن بشرت وهللت له دول عربية كثيرة على اعتباره الطرف الأقرب, والأكثر تفهماً للحاجات السياسية والأمنية العربية وبالتحديد بعد حرب الخليج الثانية وما وصلت إليه المنطقة العربية برمتها من أزمات حادة ألمت بها ووضعت مستقبلها على حافة الهاوية .وقد تكون مواقف الأطراف العربية التي حضرت المنتدى ,في الامتناع عن التوقيع على البيان الختامي للمنتدى والتقاط الصور التذكارية, قد أظهرت مدى الألم العربي والمعاناة العربية, من سياسة الظهر الأوروبية, أو إذا شئت من الانتهازية الأوروبية ,التي تمارس من قبل أطرافها الفاعلة والمؤثرة, والتي إذا ما نمت عن شيء, إنما تنم إما عن خوف من الولايات المتحدة بسبب مواقفها المعلنة بالوقوف بجانب إسرائيل, وإما تزلفاً لإسرائيل ذاتها, أو هي الأخرى لاتزال تعيش العقلية التي كانت سائدة في خمسينيات القرن الماضي الذي وضع العرب في خانة الأعداء, رغم العلاقات القائمة والمصالح التي تربط بين الطرفين .ولعل موقف وزير الخارجية المصري عمرو موسى في مطالبته للاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف أكثر قوة وحزماً من إسرائيل وعدم السقوط في فخ الحياد, لهو دليل عن مدى المرارة التي بدأت الأطراف العربية تتذوقها جراء إدارة الظهر وعدم الاكتراث من قبل أوروبا, وأنها أبعد من صرخة تحذيرية لأوروبا, على عكس بعض التسريبات الإعلامية الإسرائيلية التي حاولت التقليل من شأن المطالب العربية, لدفعها باتجاه أخذ زمام المبادرة إزاء ما يجري على الأرض الفلسطينية. وقد يكون من اللافت للعيان اعتراف أنخل موراتينوس المنسق الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط, بأن المناقشات والمحادثات كانت أحياناً صعبة جداً, لكنها بناءة وضمن هدف العمل على الخروج من الوضع الحالي (وأعتقد أن الأمور ستتحسن ميدانياً بعد مؤتمر مرسيليا). لكن السؤال الذي لابد منه, هل يعتبر تصريح وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر القائل بأن (المسألة ليست مسألة حياد, فأوروبا ملتزمة بتأييد المصالح المشروعة للجانبين) نقطة انطلاق جديدة باتجاه الشرق الأوسط؟ الأيام القليلة المقبلة وما تحمله من مفاجآت, هي وحدها الشاهد الحي على مدى مصداقية وحرص الاتحاد الأوروبي على العمل من أجل إعادة التوازن القائم على الحق والعدل. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق