أمريكا لا تتعلم 3-3

ما الذي يجعل كهلا على اعتاب الثمانين من العمر يبكى أمام كاميرا تلفزيونية اثناء مقابلة منقولة ببث حي مباشر حول العالم؟ روبرت ماكنمارا احدث وزراء الدفاع الامريكيين الذين تعاقبوا خلال الستينيات والسبعينيات على ادارة الحرب الوحشية الامريكية ضد الشعب الفيتنامي كان يعبر في تلك المقابلة التلفزيونية التي جرت قبل سنتين عن ندمه بأثر رجعي على المشاركة في تلك الجريمة التاريخية. والمناسبة كانت صدور كتاب وضعه ماكنمارا عن الحرب. وليس بوسع احد ان يقول ان ندم ماكنمارا جاء بعد فوات الأوان.. وبعد 22 عاما من نهاية الحرب. فقد قدم الرجل استقالته من منصبه عند أواخر الستينيات استجابة لنداء ضميره. شغل ماكنمارا منصب وزير الدفاع في عهد الرئيس ليندون جونسون. وقبل ان يتقدم بالاستقالة كان يناصح رئيسه مطالبا بوقف الحرب وسحب القوات الامريكية وترك الشعب الفيتنامي لحاله. ويسجل تاريخ الحرب كما وضعه الصحفي الكندي مايكل ماكلير (الذي قضى في فيتنام 13 عاما كمراسل للتلفزيون الكندي وتلفزيون بي بي سي لاحقا) مذكرة رسمية بعث بها ماكنمارا الى الرئيس بشأن استمرار القصف الجوي المكثف على الاراضي الفيتنامية. قال وزير الدفاع: (قد يكون هناك حدث فاصل لن يسمح بعده كثير من الامريكيين وقسم كبير من الرأي العام العالمي للولايات المتحدة بأن تواصل القصف. ان مشهد الدولة العظمى الاولى في العالم وهي ترتكب القتل او الاصابات الخطيرة وسط المدنيين بمعدل ألف حالة اسبوعيا بينما تحاول ان تحمل دولة صغيرة نامية على الاستسلام حول قضية تبقى مبرراتها موضع جدل, مشهد غير جميل على الاطلاق). لقد برزت اثناء الحرب قلة من الشخصيات الامريكية من ذوي الضمير الحي. وكان من بين هؤلاء ايضا البروفيسور رتشارد فولك الخبير في القانون الدولي. وفي انتقاده للحرب الفيتنامية قال فولك: ان فشل امريكا الحقيقي اثناء الحرب وبعدها حتى اليوم يتمثل في عدم قدرتها على الالتزام بالقواعد التي وضعتها للآخرين. وقال: (كانت الحرب خرقا للقواعد الدولية للقانون الذي اسسته الولايات المتحدة نفسها.. وهكذا افلت القادة الامريكيون من المحاسبة الاخلاقية). وهذه هي المعضلة العالمية الحقيقية.. وهي ان واشنطن لا تحترم القانون الدولي ولا المواثيق العالمية بينما في الوقت نفسه تنصب نفسها وصيا على الدول الاخرى.. خاصة الصغيرة منها. وعوضا عن الاعتذار للشعب الفيتنامي فإن الرئيس كلينتون انتهز فرصة زيارته لفيتنام الاسبوع الماضي ليحاضر الفيتناميين عن خدعة امريكية اخرى اسمها (اقتصاد السوق). وهي محاضرة لا تخلو من ضحالة .. فالخدعة لن تنطلي على الشعب الفيتنامي لسببين: اولا: رأي الفيتناميون كيف كان حال فيتنام الجنوبية تحت السيطرة الامريكية في الستينيات والسبعينيات: كانت ماخورا ضخما الى جانب اعداد كبيرة من المتسولين على خلفية انتشار الامراض التناسلية. ثانيا: يرى الفيتناميون الآن ما آل اليه حال روسيا وبلدان اوروبا الشرقية من فقر وهوان وجريمة في ظل اقتصاد السوق حتى ان الطبقات الشعبية صارت تنظر للوراء الى العهود السابقة بتحسر وندم لا مزيد عليهما.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات