ويظل السؤال مطروحا: ما الذي أوصل الذهنية الغربية الى هذه الحال من التحامل والتحيز ضد العرب..؟ وسط دوي الصواريخ الاسرائيلية وقصف المدافع الصهيونية والمعاناة الرهيبة، التي يتعرض لها الشعب العربي الفلسطيني في أرضه المحتلة يشعر الباحث أو الكاتب العربي بالذات بالاستفزاز وهو يتابع ويطالع منتوجات آلة الاعلام والدعاية اليهودية الاسرائيلية وهي تبث برسائلها المسمومة والمحرفة والمكذوبة الى العالم حول عروض السلام وعملية السلام وخروج الطرف العربي الفلسطيني من معادلة السلام. وهم يعتمدون التكرار والإلحاح والإمعان في عزف النغمات القديمة أسلوبا في ادارة هذه الماكينة الاعلامية وتلك عملية أشبه بعملية اعادة انتاج, أو اذا استخدمنا المصطلح الأيكولوجي المعروف اعادة تدوير الطروحات المكرورة والمعهودة لدرجة قد يقبلها الذهن العالمي ولو من باب تخليص نفسه من ربقة هذا الامعان وتلك الملاحقة التي تكاد تسد عليه حياته واهتماماته وأنفاسه الى حد الاختناق. نحن نقنع أنفسنا من ناحية أخرى, فقد تتمثل مشكلتنا على الجانب العربي من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي في أننا استخدمنا فضائياتنا لكي نقنع أنفسنا بما نحن مقتنعون به أصلا. فلا نظن أن هناك انسانا عربيا عاقلا واعيا يحترم نفسه وتاريخه وفكره وانتماءه القوي لا يرى أن في اسرائيل تجسيدا لعدوان سافر صارخ ومتواصل على الأرض العربية والحق العربي بل والتاريخ والكرامة العربية. والمشكلة أن هذه ليست المشكلة كما قد نقول المشكلة هي أن المطلوب أن نقنع الآخرين بعدوانية الصهيونية وبالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.. الدول العربية في المشرق والمغرب انفقت الملايين, عشرات الملايين كيما تتخذ كل منها قناة فضائية أو أكثر نبث بها رسالتها عبر الأقمار الصناعية, وتحمل طروحاتها وأرائها بالصوت وبالصورة وعلى نحو فوري. بل آنى الى خارج الحدود. وهذا في حد ذاته أمر طيب وايجابي.. وعندما اندلعت انتفاضة الشعب الفلسطيني, وعندما حشد الكيان العنصري الصهيوني المحتل أحدث أسلحة العصر.. دبابات ومروحيات وصواريخ لضرب المدنيين وازهاق أرواح الشباب والفتيان الفلسطينيين, لم تقصر الفضائيات العربية في متابعة الأحداث وفي تعبئة قطاعات الرأي العام العربي ضد العنصرية والعدوانية الصهيونية ولصالح قضية الشعب الفلسطيني في اقامة الدولة المستقلة واقرار حق تقرير المصير. خلافات في البيت العربي ولا ينال من هذه الجهود الايجابية أن تورطت بعض الفضائيات العربية ولو بحسن نية, حتى لا نقول بسوء النية في فسح مجالات بغير لزوم لنشوب خلافات عربية عربية وتبادل أكثر من وابل للنقد وتعداد المثالب من طرف عربي الى أطراف أخرى, عربية أيضا لدرجة وصلت أحيانا الى حد التهجم بل والتشهير. واذا كنا قد نادينا ضمن من نادوا ولعلهم لا يزالون يفعلون, بوقف هذه الحرب الكلامية الأهلية التي تستنفد جهودنا وتبدد طاقاتنا وتصرف تركيز شعوبنا على القضايا المحورية والشأن الجوهري المتمثل في مواجهة الخطر الاسرائيلي الذي هدد الكيان الفلسطيني بالعدوان الراهن في الوقت الحاضر رد يهدد الكيان العربي كله بخطر التوسع المحدق المتربص في المستقبل, فإن الأوان قد حان لكي تتخذ الأطراف والفعاليات العربية خطوة بل هي نقلة نحسبها جديدة ومطلوبة الى الأمام.. وفي مجال المواجهة الاعلامية على وجه الخصوص. صحيح أننا نقدم على الفضائيات اليعربية كل ما هو جديد ومفيد حول الانتفاضة وحول العدوان الاسرائيلي.. ولكن الصحيح أننا نقدم هذا كله باللغة العربية وعلى أساس أطر مرجعية نحيل اليها, ومن خلال انساق ثقافية عربية تصدر عنها وكل هذا يدور ويصب في مجرى الحياة العربية التي نتصور أنها ليست بحاجة الى كل هذا الاقناع أو الاستحالة أو تشكيل الرأي العام ــ قدر ما أن الحاجة الماسة الملحة تدعو الى التطرق الى هذا كله على جبهة الاعلام الخارجي ــ الموجه الى أوروبا والى أمريكا والى الشرق الأقصى (الصين واليابان) ولا مانع أيضا الى شعوب شرق أوروبا حتى حدود روسيا وتخوم آسيا الوسطى وشعوب افريقيا الناطقة في الغرب بالفرنسية وفي الشرق بالانجليزية فضلا عن شعوب قارة أمريكا اللاتينية الناطقة في غالبيتها باللغة الاسبانية. وصحيح أننا بازاء خطة طموحة لمثل هذا الاعلام الخارجي المرئي بالذات, ولكن علينا أن ندرك أو نكرر ما نحن بالفعل مدركون له ومتحققون منه وهو أن الطريق طويل والمسيرة صعبة لأننا كعرب وليس كفلسطينيين فقط لا نواجه فقط واحدا من أسوأ وأخبث أشكال المد الامبريالي الذي جاءنا مثل الوباء الفتاك من الغرب الأوروبي أساسا.. وهو نمط الاستعمار الاستيطاني الذي اعتمد ثلاث ركائز أساسية لا بأس أن نكررها في هذا السياق وهي: * العنصرية كأساس لهذا المشروع الاستعماري. * التوسع كهدف منشود لهذا الكيان العنصري. * العدوان كوسيلة أساسية لتحقيق هذا الهدف. ولكي تطمئن أطراف عربية كثيرة, داخل صفوف النخب الحاكمة وخارجها.. فحين نطالب بالتصدي للعدوان بوصفه الركيزة الثالثة لهذا الكيان الصهيوني, فنحن لا نتحدث عن حرب بمعنى حشد القوات وتعبئة الجيوش فتلك أمور ليس من اختصاصنا من ناحية وهي من ناحية أخرى أمور دقيقة ومصيرية, يحتاج الى تفكير على البارد وحسابات موضوعية وتوقيتات وموارد وقدرات ندرك بيقين أنها من اختصاصات جهات وقوى أخرى تتخذ فيها قراراتها من مواقع المسئولية. المواجهة الشاملة المطلوبة نحن نتحدث عن مواجهة شاملة على جبهة الاعلام الميديا المرئية بالذات مع عدونا الذي يقصف بالصواريخ ويحرف الأمور عن مواضعها وتلك خصلة تاريخية في ثقافته, ويكذب.. فيصدقه العالم للأسف الشديد وليس لنا أن نسعد أنفسنا أو نبرئ أنفسنا ونكتفي بالقول العاجز بأن العالم مغرض أو أن الصهاينة عباقرة أو أن الحق دائما يتيم والباطل تنين له ألف ذراع. الأمر ببساطة هي أن العالم يسمع عدونا ولا يسمعنا.. وببساطة أيضا لأن عدونا يحدث العالم بالأسلوب الذي يفهمه هذا العالم الخارجي أو بالأدق الذي ينطلي عليه من حيث اللغة والايقاع والمفردات والمصطلحات والدق الذكي على أوتار المصالح واستثارة المخاوف واستدعاء التشكك التاريخي أو التوجس المتوارث ازاء الصور النمطية المسطحة الجامدة التي ترتبط بكل ما هو عربي.. أو كل ما هو مسلم. لحظة تحليل نفساني ولو عكف البحث العلمي في علوم السيكولوجيا وعلوم الاتصال على وجه الخصوص على التدقيق في هذا الأمر.. من خلال منطق الربط أو الاستدعاء لاتضح أن الأمر بحاجة الى جهود عربية دؤوبة ومتواصلة وذكية مرهفة تتسلح بأحدث أساليب العلم لكي تزيل ما علق في ذهنية الشعوب الأخرى من أوشاب الخلط وسوء الفهم أو التبسيط المخل للقضايا والمشكلات لو قيض لفرد أوروبي أو أمريكي عادي وغير مغرض أو حتى غير متحيز للطرف الصهيوني في معادلة الصراع الراهنة أن يتخذ مكانه فوق أريكة التحليل النفساني ويطلب منه أن يطلق العنان لما يسميه المصطلح الأفرنجي بعبارة (قطار التداعي) أو (مجرى المعاني المترابطة) يوردها الفرد الغربي المذكور بصورة عفوية, متدفقة وكأنما يستمدها من معين العقل الباطن لو قيض كالمثل هذه التجربة أن تتم فماذا عساه يقول؟ نظن أن موضوع التجربة سوف يسجل تداعيات من هذا القبيل: عربي.. بدوي.. خيمة.. حريم.. إغارة.. قبلية.. غدر.. قسوة.. زوجات عديدات.. طلاق في لحظة.. بترول.. لا بترول .. أسعار.. حرمان.. مسلم.. ارهاب.. مجاهدون.. بن لادن.. عمر عبدالرحمن.. لوكيربي.. قتل.. خطف طائرات.. خطف سواح.. خطف رهائن.. اعدام.. لا.. رفض.. منع تحريم.. للحضارة .. لعمل المرأة.. للموسيقى.. حقد.. بغضاء.. دم.. نسف.. رشوة.. ارتزاق.. بقشيش.. ترف بغير جدارة.. ثروات اسطورية.. ألف ليلة.. مبالغات خطابة.. شعارات.. الخ.. الكفيف والتدمير وقد يكون في العرب بعض من هذه المثالب.. أو حتى كلها.. فهي ليست في كل العرب ولا, ولا العرب يختصون بها ثابتا, بل أن كثيرا منها مازال موضع جدل وبعضه ما زال معروضا على محاكم وبعضه نابع من مجرد اتهامات ملفقة لا تقنع طفلا (كأن يسجن كهل كفيف ومريض حاصل على دكتوراه العلوم الشرعية, في سجون أمريكا_ بتهمة أن الرجل عمر عبدالرحمن كان يخطط مع أركان حربه لنسف أكبر معالم مدينة نيويورك وفوق البيعة نصف المقر الدائم لمنظمة الأمم المتحدة في الحاضرة الأمريكية!) السؤال المطروح ويظل السؤال مطروحا: ما الذي أوصل الذهنية الغربية الى هذه الحال من التحامل والتحيز ضد العرب, والبعد الغريب عن معادلة الأمور من منظور أقرب الى المعقولية, أو الانسانية أو الاتزان؟ الأسباب كثيرة, وبعضها تاريخي قد يعود الى الصراع القديم بين حضارة الاسلام وامبراطوريات الاسلام وبين كيانات أوروبية سواء من أيام العصور الأموية والعباسية ثم ازدياد الصراع ضراوة بين الأندلس وأوروبا الغربية الى أن دخل في مواجهة دموية بين موجات المد الأوروبي الاستيطاني إبان الحروب الصليبية وبين حركات التحرر الاسلامية العربية التي بلغت أوج انتصارها على يد الكردي المسلم المستعرب صلاح الدين محرر القدس ثم ما لبث الصراع أن وصل الى حال من الغليان المضطرم تحت الرماد بعد فتح القسطنطينية على يد محمد العثماني الثاني عام 1453 وامتداد الامبراطورية العثمانية المسلمة حتى أبواب العاصمة النمساوية فيينا وعبر أرجاء أوروبا الجنوبية والوسطى وصولا الى بدء الرد الأوروبي على هذا التوسع وتصفية أوروبا حساباتها مع عالم الاسلام.. وكان ذلك خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي الفترة من عصرنا الحديث التي شكلت الذهنية الأوروبية, والانساق المعرفية والادراكية الغربية التي نتعامل معها في زماننا الراهن. استغلال يهودي استغلت الحركة الصهيونية هذا كله لصالح مشروعها الاستعماري الاستيطاني في الأرض العربية واستغلت بالذات قدرتها على الاستئثار الى حد الاحتكار أو الانفراد بالأذن والعين وباهتمامات الناس.. وأفكارهم ووجدانهم في الغرب.. لكي تنشر دعاياتها التي قلبت فيها الحق باطلا والباطل حقا بل نقول أنها استغلت الظروف التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بالذات وفي غمارها كانت أوروبا بحاجة الى التماس حل لما أصبح يعرف في تاريخها باسم (المسألة اليهودية).. وتلك مشكلة لها جذور في التاريخ الأوروبي ربما منذ العصر الوسيط وتتمثل هذه المسألة بالذات في تصميم اليهود أو عزوفهم عن الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية التي يعيشون بين ظهرانيها ويأكلون خبزها وينعمون بمواردها ويتجنسون بجنسيتها. ولأن هذه الوضعية افضت الى قيام حواجز من التوجس والشكوك بين تلك المجتمعات وبين جالياتها جماعاتها أقلياتها اليهودية, فقد اقتضى الأمر تصدير المشكلة بكل أبعادها وحراراتها وسمومها الى الخارج.. وهو ما حدث مع بدايات القرن العشرين.. وقد تم التصدير فعلا.. كما يجري دفن النفايات النووية في أراضي أطراف لا ذنب لها في أخطار الاشعاع الذري, تم زرع الكيان الامبريالي الاستيطاني الصهيوني في ركن الطرف الفلسطيني, في قلب الوطن العالمي.. الذي كتبت عليه الأقدار أن يدفع ثمن معاناة اليهود التاريخية وأيضا ثمن التجربة المريرة التي خاضتها شعوب الغرب من جراء مؤامرات اليهود على اقتصادات وثقافات, وربما مصائر تلك الأمم والشعوب. الانتفاضة ومنطق الباطل وبعد, فهذا الركام الهائل من الزيف ومن الباطل ومن فساد المنطق وتحريف الكلم والحقيقة عن مواضعها كل هذا من صنع اليهود الصهاينة الاسرائيليين ولقد أثبتت أحداث ملاحم الانتفاضة الفلسطينية وما زالت تؤكد اتساع حجم الزيف المغرض واستشراء آلة تحريف الحقائق التي ظلوا يلوون عنقها الى حد تصوير الشهيد الفلسطيني بأنه كان معتديا.. وتصوير جنود الاحتلال الصهيوني بأنهم يقومون بدور حماة القانون وحفظة الأمن والاستقرار دع عنك تصوير أركان الحكم في اسرائيل بأنهم دعاة سلم وتفاهم وتعايش ووئام ونظن أن هذا كله أصبح بحاجة الى قناة متلفزة, فضائية عربية واحدة أو موحدة تقوم بدورها وتبث رسالتها الاعلامية, أو بوصفها مؤسسة متكاملة تشيدها الأموال العربية وتديرها أنبغ المواهب الاعلامية العربية مستعينة في ذلك بأفضل الكفاءات في الغرب, أو تبث هذه الرسالة من خلال شراء مساحات زمنية في القنوات الدولية أو بواسطة مواد فيلمية يتم اعدادها على أرفع مستوى من الكفاءة الحرفية والاتقان الفني التقني والمهني من حيث اختيار الموضوعات ومن حيث جاذبية العرض وإجادة الاداء. التمويل مطلوب وأيا كان اختلاف الوسيلة فالأمر بصراحة أصبح بحاجة الى تمويل جاد, متدفق وسخي شريطة أن يوضع في موضعه تماما, والأمر بصراحة بحاجة الى استخدام اللغات الأجنبية.. وليست لغانا العربية في انتاج وعرض هذه المواد الموجهة الى جمهور ناطق باللغات الأجنبية والأمر بحاجة الى مثابرة لا تعرف اليأس لأنها أقرب الى الحفر في صخور عدم مبالاة الآخرين بقضايانا.. والأمر بحاجة الى حشد أنبغ كفاءاتنا وأبرعها تمرسا وقدرة على مخاطبة الغرب بلغة الغرب لا من حيث مفردات الألفاظ وحسب ولكن من حيث قدرة التواصل مع ثقافة الغرب واهتمامات أهله ومنطق المصالح الذي يحكم حياته وحياتهم على السواء. في هذا السياق.. فإن شخصية مثل الدكتورة حنان عشراوي تعادل جهودها في هذا المجال جهود عشرات من أهل اعلامنا الذين قد يصلحون في الداخل دون أن يفيدوا قضايانا في خارج الحدود وقل الشيء نفسه على كفاءات عربية متواجدة في مشرق ومغرب الوطن الكبير نستطيع التواصل مع الشعوب الناطقة بالانجليزية والفرنسية على أساس خطاب سياسي بليغ ومؤثر وفعال. بل قل الشيء نفسه وأكثر منه اذا ما امتدت طموحاتنا الى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين العرب في فرنسا أو انجلترا أو الولايات المتحدة, ومنهم شبان وشابات ما زالوا متحمسين لقضايا أوطانهم الأم وما زالوا واعين بكل أبعادها, وهم في التحليل الأخير ذخيرة ثمينة ونفيسة, نابضة بالحيوية.. حافلة بكل امكانات القدرة والفعالية والتأثير.. فقط اذا ما أمكن استثمار قدراتهم ووضعهم في الاطار المناسب.. والصحيح قد يكون في هذا النمط من التفكير قدر كبير من الطموح. ولا بأس.. فنحن أمة أصيلة وتستحق مثل هذا الطموح, والمهم أن نبدأ. كاتب سياسي من مصر