يعرف العرب جميعهم دور مصر في السلم والحرب, وفي كل ما يهم الوطن العربي ويؤثر فيه, وحينما يقول المصريون (مصر العروبة) وحينما يقولها العربي في كل مكان من رقعة الوطن الكبير فإنه يستند إلى ثوابت المصير الواحد, ويستند إلى الدور الذي تلعبه مصر في تشكيل ملامح التاريخ والوجود العربي. بالأمس حمل المتظاهرون في غزة الأعلام المصرية فرحين مهللين بقرار استدعاء السفير المصري من تل أبيب, ولا نشك في ان كل قلوب العرب في الأراضي المحتلة وخارج الأوطان المحتلة حملت أعلام مصر, كلهم استعادوا ساعات العبور في أكتوبر المجيد, وكلهم استعادوا صور الجندي المصري الذي ضرب بسارية العلم المصري العربي على أول شبر حررته الدماء الحرة الأبية. وحينما كنا نطالب بهذا الدور ابان انعقاد القمة العربية الطارئة, وحينما كنا نكرر ضرورة ان تلعب مصر دورا كبيرا في شأن المقاطعة كنا نؤمن تماما ان هذا هو الفعل الذي يطعن كبد إسرائيل التي شوه عسكرها ومجرموها صورتها في مرآة السلام. لتأسف إسرائيل وترسل اشاراتها إلى مصر على لسان باراك وغير باراك ولتحذر أمريكا كيفما شاءت واعتادت, فكل منهما يعرف تماما ان العرب لا ينتظرون سوى هذه الخطوة الجريئة والطبيعية في مواجهة عسكر تتهمهم الإنسانية بوحشية لم يشهد التاريخ مثيلا لها, وحشية تتصيد جماجم الأطفال وعيونهم, لا تعرف إلا لغة الرصاص والقذائف. إسرائيل لا ترضخ إلا بالمقاطعة والعزل, واليهود لا يفقأ عيونهم إلا الحزن على الخسارة, خسارة المال طبعا ولعهم الوحيد في هذه الحياة والذي عند عتباته تنتهي حدود البشرية في دواخلهم. إذن هي الخطوة الأخرى التي ننتظرها من مصر والأردن أيضا, وإذا كانت مصر تلوح بالورقة الأخرى وهي اغلاق المكتب التجاري, فإننا نقول هذه أيضا هي الأهم لان ما تبنيه إسرائيل ويهودها من طموحات على السلام هو في صميمه أحلام الولوج إلى شريان الاقتصاد العربي وتحويطه بأذرع الاخطبوط.. فما بالك لو أدركت اسرائيل ان حلمها يهدد وانه يتبخر أمام عينها؟ إنها الضربة القاضية للفاشستية اليهودية, وانها انهيار سلام الخديعة الذي تطبل له أمريكا. لا نبالغ حينما نقول ان قرارا عربيا تخرج منه مصر لا يؤثر, ولا نبالغ حينما نقول ان الأقدار العربية شاءت أن تكون مصر درعا ومتراسا للجسد العربي, لهذا نلومها أحيانا ولهذا تنتعش أفراحنا حينما نجدها في المقدمة تقول عنا كلمة العروبة والقومية. مصر تعيد مشاهد أكتوبر, مصر تعيد العبور في القلب, تعيدنا لنغني: أخي جاوز الظالمون المدى. قلنا ان حكومة باراك تاهت في الطرقات التي ملأتها أكف الفلسطينيين صغارا وكبارا بأحجار الانتفاضة المباركة, وقلنا ان عساكرها يرتجفون في بزاتهم العسكرية التي لطخها العار والفضيحة وان ما يتوجب علينا في هذه المرحلة الحاسمة هو المزيد من استغلال الظرف والتعامل مع الجنون الإسرائيلي على انه وباء لابد من عزله والسيطرة عليه واخضاعه للشرط البشري. (عظيمة يا مصر) تعودناها ولا نريد أن نفقدها وان كلفتها تلك العظمة الكثير فهي ضريبة عزها ومجدها وريادة تصدرها وتصديها لأوجاعنا. خطوة أخرى من مصر وأخرى من الأردن, عندها تعرف إسرائيل تماما نفسها جيدا وتعرف ان للأمة ثوابت وخطوطا حمراء وان الأكذوبة التي تعتاش منها وهم, وان الدم العربي دم واحد. خطوة أخرى وتركع إسرائيل أمام الملأ. مرعي الحليان halyan@albayan.co.ae