المصالحة الأمريكية.. الفيتنامية انتصار لهانوي وواشنطن معا ، بقلم: خورشيد دلي

شكلت فيتنام عقدة في السياسة الامريكية الاسيوية منذ عام 1975 بسبب هزيمتها في الحرب الفيتنامية (1959 ــ 1975) التي ادت الى مقتل نحو 58 ألف جندي امريكي وبقاء اكثر من ألفي جندي في عداد المفقودين, وبقيت هذه العقدة جاثمة في السياسات الامريكية (جمهورية كانت ام ديمقراطية) حتى حدوث انفراج في العلاقات الدولية على اثر انهيار الاتحاد السوفييتي, ومع الانفراج الدولي وتطلع واشنطن الى قيادة العالم رأت الادارة الامريكية بقيادة الرئيس بيل كلينتون امكانية وضرورة العودة السلمية الى الهند الصينية (لاسباب عديدة) عبر تجاوز العقدة الفيتنامية. فيتنام من جهتها ادركت ضرورة تحديث سياستها تماشيا مع المتغيرات الجارية في السياسة الدولية, وعليه اتخذت هانوي مجموعة من الاجراءات خلال العامين 1991 ــ 1992 كانت بمثابة موافقة ضمنية للمصالحة مع واشنطن, ومن هذه الاجراءات: اتمام الانسحاب من الاراضي الكمبودية وفتح الباب امام هجرة الفيتناميين الى الخارج والقيام باصلاحات اقتصادية واسعة والتعاون مع الخبراء الامريكيين الباحثين عن مفقودي الحرب, في مقابل هذه الاجراءات رفعت الادارة الامريكية بعض القيود المفروضة على فيتنام وسمحت لعدد من الشركات الامريكية بفتح مكاتب لها في هانوي وتراجعت عن معارضتها حصول فيتنام على قروض من صندوق النقد الدولي, بالتزامن مع بروز ضغط داخلي من الشركات الامريكية الكبرى ورجال المال والاعمال والصحافة داعية الى رفع الحظر التجاري عن فيتنام بغية الحصول على استثمارات مالية تقدر بنحو 12 مليار دولار, وهذا ما تقرر في فبراير عام 1994 عندما قررت الادارة الامريكية رفع الحظر الاقتصادي عن فيتنام. ورغم ان هذه الخطوة كانت بمثابة اعلان الشفاء الامريكي من العقدة الفيتنامية الا ان تطبيع العلاقات التجارية بين البلدين تأخر الى يوليو الماضي,. ويأمل الرئيس كلينتون من زيارته التاريخية الى فيتنام تحقيق مصالحة تاريخية تفضي الى انتصار مشترك لواشنطن وهانوي, والادارة الامريكية التي تتطلع الى الهيمنة على العالم والسيطرة على الاسواق العالمية تدرك اهمية فيتنام التي هي احدى اهم الركائز الاقتصادية في منطقة اسيا وتشكل اليوم مفتاحا للاسثمارات الكبيرة, وتقتضي المصلحة الامريكية مواجهة نفوذ الصين واليابان وفرنسا وتايوان في هذه المنطقة, وهذا لا يمكن الا بطي صفحة الماضي والدخول في مصالحة تاريخة مع فيتنام, ولعل ما يشجع على السير في هذا الاتجاه هو ان الجيل الذي يقود الادارة الامريكية الحالية ينتمي الى جيل سياسي مرحلة ما بعد الحرب الفيتنامية, في المقابل فإن هانوي التي خفت فيها الحماس الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تنتظر بشوق الى التخلص من الاجراءات التي تقيد عودتها الى الساحة الدولية, كما ان الذين انتصروا في حرب 1975 هم لا يزالون في قمة السلطة ويتطلعون الى قطف ثمار الانفتاح الدولي عبر المصالحة مع الولايات المتحدة, بمعنى آخر فشل الرهان الامريكي السابق على تغير فيتنام من الداخل والذي بشرت به الادارات الامريكية السابقة. في الحقيقة ان الواقع الدولي الجديد بأبعاده كفيل بطي الصفحة الماضية (العقدة) الامريكية ــ الفيتنامية, والرئيس كلينتون الذي اراد في نهاية عهده طي هذه الصفحة يدرك ماذا يفعل, فالولايات المتحدة لديها الاسباب الاقتصادية الوجيهة والمستندة الى حقيقة ان فيتنام تشكل مصدرا غنيا للمواد الخام وسوقا استهلاكية واسعة حيث البحث عن الاسواق في الهند الصينية يشكل الهاجس الاكبر لواشنطن, اي ان اسباب التطلع الامريكي الى السيطرة منح الرئيس كلينتون القدرة على تجاوز الشرط الامريكي السابق حول ربط مسألة تطبيع العلاقات مع فيتنام بقضية المفقودين الامريكيين في الحرب باعتبارها قضية اخلاقية, وتحت ضغط بالمصالح وشبكات الاعمال والمال, تشهد الصحافة الامريكية حملة واسعة للتأكيد على فوائد العلاقة مع فيتنام بل ان جنرالات الحرب السابقين (الفيتناميين) بدأوا بتبرير المبرر الاخلاقي الذي تمسكت به الادارات الامريكية السابقة, في الجانب الآخر فإن اكثرية الفيتناميين الذين لم تتجاوز اعمارهم 30 سنة لم تعد الشيوعية تعني لديهم سوى ماض للآباء والاجداد, ويتطلعون الى المقاييس الاستهلاكية حيث اصبحت صور المطربين في الغرب وانواع المشروبات والدخان من ضروريات الشباب, والقيادة الفيتنامية التي تسعى الى التخلص من القيود السابقة والدخول الى الساحة الدولية, وتشاهد في الوقت نفسه مسيرة تطبيع العلاقات بين واشنطن وكوريا الشمالية وكذلك التقارب مع كوبا وغيرها من الدول التي كانت تدور في فلك الشيوعية, هذه القيادة لا ترى اي مانع من اقامة علاقات متوازنة مع واشنطن بالقدر الذي يخدم تطورهم ولا يهدد استقلالهم ويردع اطماع الآخرين, والقيادة الفيتنامية تفعل ذلك وهي تدرك تماما رغبة واشنطن في الاستثمارات الموعودة في سماء مدينة هانوي وهي لا تقف ضد ذلك بل ترى فيه الحصول على افضل العروض. في الواقع, الحرب الفيتنامية بالنسبة للسياسة الامريكية المعاصرة لم تعد سوى ذاكرة, وفيتنام حاليا هي منطقة للنفوذ والاستثمارات والهيمنة, فيما الحرب بالنسبة لفيتنام تعني النصر الذي حقق لها الوجود والاستقلال والشروع في بناء الدولة الوطنية والمؤسسات والمصالحة مع الولايات المتحدة الآن تعني بالنسبة لها استمرار النصر وتلمس عوامل القوة في البناء والتنمية والنمو. وعليه فإن المصالحة الامريكية ــ الفيتنامية انتصار مزدوج, انتصار للفيتناميين الذين سيعودون الى الساحة الدولية وهم لا يزالون في قمة السلطة في هانوي بعد ان صمدوا امام الرهان الامريكي حول التغير من الداخل, وانتصار للامريكيين الذين تجاوزوا عقدة الحرب الفيتنامية وهم على ابواب الفوز بالاستثمارات الضخمة في منطقة الهند الصينية بالدخول اليها من البوابة الفيتنامية بما تعني هذه البوابة (مدماك أمريكي) في محيط التنين الصيني. كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات