عشر سنوات على حرب الخليج الثانية ولا يزال شعب العراق صامدا فى مواجهة تحديات الحصار الدولى, وهو حصار مستحكم لا نظير له ولا شبيه فى التاريخ, سياسيا وعسكريا واقتصاديا وجويا ونفسيا, ورغم أن الهدف المعلن للتحالف الدولى الذى شاركت فيه 30 دولة أجنبية وعربية كان قاصرا على تحرير الكويت, الا أن أمريكا وفى ركابها بريطانيا كانتا لهما هدف آخر مشترك وهو تدمير مشروع النهوض التنموى فى العراق واجهاض قوته العسكرية التى لا تقوم له من بعده قائمة, وهو ما أكدته جملة التصريحات المتواترة الصادرة عن الإدارة الأمريكية حول الرجوع بالعراق القهقرى إلى القرن السابع عشر, لكن ما رأيته وعايشته فى العراق على مدى عشرة أيام يجزم بفشل المخططات الأمريكية, فلا نظام صدام حسين سقط, ولا الشعب الذى يموت وأطفاله تحت وطأة الجوع والمرض والحرمان من أبسط ضرورات الحياة ثار أو فقد الثقة بقيادته وايمانه بعدالة قضيته, وانما شرع إلى التضامن الاجتماعى فى اقتسام لقمة العيش, وبرمجه شئون حياته المعيشية وفقا لمقتنيات بطاقات التموين التى لا تكفى حاجته من الطعام سوى ثلاثة أيام فحسب, وكذا الأجور والمرتبات التى تدنت بنسبة 80%, ولعل الأكثر مدعاة للعجب والدهشة, حين استطاع بقواه وامكاناته الذاتية من اعادة تعمير معظم منشآت البنية التحتية التى فرضتها أحدث أسلحة الدمار الشامل, ومن ذلك الكوبرى المعدنى الذى قام بتصميمه وبنائه نفس المهندس الفرنسى العبقرى الذى سبق وشيد برج ايفيل الشهير فى باريس, حتى بات الآن مؤهلا لمرور ضعف أوزان حمولته قبيل انهياره تحت قصف الصواريخ الأمريكية, وانتظام التيار الكهربائى فى بغداد ومعظم المدن العراقية التى كانت تقضى ساعات الليل فى ظلام دامس عقدا من الزمان! على أن القيادة العراقية التى اعتمدت الحفاظ على ماتم انجازه بالفعل على صعيد التحول الاشتراكى قبيل العدوان, الا أن الظروف الموضوعية الصعبة التى أفرزتها قرارات تصعيد وتيرة الحصار الدولى تباعا, فرضت عليها رفع القيود وتجميد القوانين التى كانت تحد من نشاطات القطاع الخاص فى المجالين التجارى والاقتصادى والصناعى والزراعى, ونهض بهذه المهمة التى عجزت عنها وزارات ومؤسسات الدولة على خير وجه, سواء ضمان ايداع وصرف الودائع فى البنوك بالعملة الصعبة دون قيد أو شرط, وسواء عبر فتح المعابر البرية على الأردن وسوريا, وكذلك عبر غض الطرف على محاولات تهريب برا وبحرا, الأمر الذى أدى الى اغراق الأسواق بالسلع والخدمات ومستلزمات الانتاج وتشغيل المصانع المعطلة ووفرة المحاصيل الزراعية. والشاهد أن ارتفاع معدلات تصدير النفط العراقى لأكثر من مليارى برميل حتى أواخر عام 1996 تقدر عائداتها بأكثر من 27 مليار دولار وفقا لتقرير مكتب الأمم المتحدة فى بغداد, الا ان العراق لم يتسلم مواد غذائية وطبية من هذه العائدات سوى ما قيمته 2.8 مليارات دولار, فى حين بلغت أموال عائداته المجمدة فى مصرف (دي. بي. ان. بي) حتى أغسطس الماضى 11 مليارا و372 مليون دولار, بينما بلغ عدد العقود المعلقة لشراء احتياجاته 1328 عقدا, غير 541 لا تزال قيد البحث تبلغ قيمتها الاجمالية 52.3 مليارات دولار, ومن هنا وصفت صحيفة (التايمز) اللندنية تصريح وزير الخارجية البريطانى روبن كوك بالنفاق والكذب, أثر تصريحه بأن العراق سوف يصدر هذا العام كميات من النفط تؤمن له مداخيل كافية لسد احتياجاته من الغذاء والدواء, والأدهى والأمر يكمن فى النهب المنظم لعائداته النفطية عبر لجنة التعويضات, التى اتهمتها الحكومة الفرنسية بالمبالغة فى تقديراتها بخصوص التعويضات اعتمادا على الدعم والجور الأمريكى, حيث طالبت اللجنة تعويض أصحاب دور السينما والمسارح والملاهى والمطاعم فى اسرائيل بدعوى تقلص عدد روادها خلال الحرب, اضافة الى المبالغات المفضوحة فى مرتبات وتنقلات موظفى الأمم المتحدة! على أن الضوء يبدو وشيكا فى انتظار الشعب العراقى نهاية نفق الحصار المظلم الذى تجرع ويلاته أشكالا شتى من المآسى والمعاناة, فها هو العالم يكتشف فجأة أنه لا سند قانونىا فى قرارات الأمم المتحدة يجيز فرض الحصار الجوى على العراق, وبينما تقاطرت على مطار صدام الدولى نحو 60 طائرة مدنية للتضامن مع شعب العراق, أكد الأردن عزمه على البدء فى تسيير خط الطيران بين عمان وبغداد مطلع شهر رمضان المبارك, وبدء تشغيل خطوط الطيران الداخلية فى العراق, واستعادة طائراته المدنية التى استودعها فى تونس والأردن ابان حرب الخليج ايذانا بتشغيل خطوط الطيران الخارجية, ممايعنى بداية العد التنازلى فى تفكيك الحصار الجوى, وبات الرهان متاحا على عودة العراق الى مكانه فى المنظومة السياسية العربية بعد مشاركته فى قمة القاهرة الطارئة, وتفعيل الدور الذى نهضت به دولة قطر على هامش القمة الاسلامية فى الدوحة للمصالحة التاريخية بين العراق والكويت, والاتفاق الذى تم بين نائب رئيس الجمهورية العراقية عزت ابراهيم والأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان حول فتح الأبواب المغلقة أمام مباحثات مشتركة بدون شروط مسبقة حول الأزمة العراقية, وما تردد عن نجاح مباحثات وزير خارجية روسيا مؤخرا فى بغداد, حول قبول العراق مجددا باستئناف نشاط لجنة التفتيش الدولية عن أسلحة الدمار الشامل فى توقيت زمنى محدد ينتهى برفع الحصار الدولى المفروض على العراق. كاتب مصري