يبدو أن الكسور العربية لا تنجبر بسهولة, كما يبدو اننا نجتر جراحاتنا الغائرة مع سبق الاصرار والترصد, وكلما اقترب المبضع من مكان الجرح القديم, انفتح الجرح على المدى وتهاطلت التذكارات الكئيبة, وبدأ تقليب الصفحات والقراءة فيها ابتداءً من السطر الاول في الصفحة الاولى, ولذلك فنحن لنا في كل مفصل من التاريخ محرقة او هولوكست, لكن للأسف فهي ليست في مواجهة العدو, انها في مواجهة الذات والأخ القريب الذي احترفنا قتله وقتاله وأسسنا ملاحمنا على ذلك! ليس آخر كسورنا, وليس أول جراحاتنا حماقة غزو العراق للكويت, لكنها المحرقة التي نراكمها ضد الجار والشقيق, وهي المحرقة التي تأسست على الغدر والمؤامرة والانسياق وراء تآمر الآخر الخارجي الذي زجَّنا فيها جميعا, ثم وقف في آخر الممر المظلم, يطلق القهقهات اللعينة, ويبعث بالفواتير الضخمة كي نسدد له ثمن لعناته وظلماته! وفي كل محفل عربي ومؤتمر, يتحدث المجتمعون بنيَّة الاخ والصديق الحريص عن أهمية الصلح ونسيان الجراح وان يجلس الاشقاء العراقيون والكويتيون إلى طاولة واحدة, وان يعملوا من منطلق وأسس التسامح والتنازل واثبات حسن النوايا والاعتراف والمصارحة من أجل القفز على هذا الجرح الذي جرَّح أمةً بأكملها, والتهم سنوات من عمر مئات الملايين من سكان الجغرافيا العربية التي لا تكاد تخرج من نفق حتى تزج في آخر اشد ظلمة, لكن الصوت الصادق يذهب مع الرياح مخلفاً الصدى ليس إلا! ففي المؤتمر التاسع للصحفيين العرب الذي انعقد في العاصمة الاردنية عمان نهاية شهر اكتوبر الماضي, ثار الخلاف بين وفدي العراق والكويت حدَّ تبادل الاتهامات وعبارات الهجوم والتقريع القاسية, وكان موضوع الاسرى الكويتيين, والقوات الاجنبية والحصار على العراق هو بارود البنادق سريعة الطلقات وأحجار الرجم التي يقبض عليها الأخ في مواجهة اخيه, دون نتيجة, وبعد سنوات الوئام والمحبة صار الاشقاء ولسان حالهم كما يقول ابراهيم ناجي: واذا الدنيا كما نعرفها واذا الاحباب كل في طريق وفي مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية الذي انهى اعماله الاثنين الماضي في القاهرة, ما كادت سيدة مصر الاولى السيدة سوزان مبارك, تتوجه الى المنصة لالقاء كلمة الختام معلنة انتهاء اعمال المؤتمر حتى دوى في القاعة صوت رئيسة الوفد العراقي محتجة على البيان الختامي واصفة إياه بأنه يعبر عن توجهات من أعدَّه! وإنها ووفدها لن ينسحبا احتجاجاً على البيان احتراما لرئيسة المؤتمر وللوفود الموجودة, وسبب الاحتجاج هو نفسه: الموقف العربي من الحصار على العراق. في جلسة سابقة كان الوفد الكويتي قد انسحب بسبب الحديث عن الاسرى! ما يجعلنا نتساءل: حتى متى سنبقى ندور في هذا الفراغ القاتل, ونعبث بجراحنا بهذه الطريقة المكشوفة؟ متى ستجد هذه المشكلة ــ المأساة طريقها للحل الكامل حتى لا تتفرق بنا طرق المعاناة أكثر من ذلك, وحتى نتفرغ لمأساتنا وقضيتنا الاولى: الصراع العربي الصهيوني واشكالياته الراهنة؟ متى ستجعلنا مآسينا نكبر ونحن ندون تاريخنا, بدل ان نمعن في التلاشي والتقزم امام أمم الأرض؟ نتمنى أن يلوح الضوء في آخر النفق قريبا لأجل الكويت المعطاء, ولأجل العراق التاريخ والموقف, ولأجلنا جميعاً ارضا ًوتاريخاً واجيالاً وتحديات.