باسم (حماية الديمقراطية وحقوق الانسان) أقامت وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية ثلاثة انظمة دكتاتورية بانقلابات عسكرية متتالية في فيتنام الجنوبية على رأس كل منها جنرال: الجنرال بيج مين والجنرال كاوكي والجنرال نقوين فان ثيو. وهي انظمة معزولة كان سندها الاوحد في البقاء على قيد الحياة القوة العسكرية الامريكية المقاتلة على الارض الفيتنامية المكونة من نصف مليون رجل. امتدت الحرب الامريكية في فيتنام لمدى عشر سنوات ابتداء من عام 1965. وفي الشهور الاخيرة من عام 1975 والحرب في فصلها الاخير اضطرت القيادة العسكرية الامريكية الى تهريب الرئيس فان ثيو الى خارج البلاد حتى يفلت من قوات الثورة المسلحة التي اتجهت صوب محاصرة العاصمة سايجون (مدينة هوشي منه الآن). وعند فرار الامريكيين انفسهم بعد ذلك بأسابيع حلت بفيتنام الجنوبية, في غياب حكومة ورئيس, فوضى عارمة وانفرط عقد الامن تماما الى ان وصلت قوات الثورة فأعادت النظام والطمأنينة تمهيدا لاعادة ضم جنوب البلاد الى شمالها المستقل تحت حكومة واحدة. ولم تستفد واشنطن من الدرس. والشواهد لما بعد فيتنام عديدة. فقد كانت الاستخبارات الامريكية وراء انقلاب الجنرال ضياء الحق في باكستان.. وواصلت واشنطن دعمها لشاه ايران حتى لحظة سقوطه عام 1979 علما بأنه تولى السلطة اصلا بانقلاب من تدبير امريكي عام 1953.. وبالطريقة نفسها ساعدت واشنطن يوري موسيفين على انتزاع السلطة في اوغندا واقامة دكتاتورية عنصرية في الثمانينيات.. وباركت الانقلاب الجزائري على النظام الديمقراطي في مطلع عام 1992. هذا النفاق السياسي الامريكي لا يتفوق عليه الا نفاق عسكري. فالولايات المتحدة اليوم تقيم الدنيا ولا تقعدها حول اسلحة الدمار الشامل, لكنها لا تخص بالذكر الا العراق (وأحيانا ايران) متغافلة تماما عن مخزون الاسلحة النووية الاسرائيلي. وأسوأ من ذلك ان واشنطن تنسى نفسها. لقد نقلت الينا الفضائيات العالمية هذه الايام في مناسبة زيارة الرئيس الامريكي الى فيتنام صورا لجيل كامل من الاطفال الفيتناميين المشوهين والمعوقين. هؤلاء الاطفال من آباء وامهات شهدوا السنوات الاخيرة للحرب الامريكية كصبية او شبان حين كانت القوات الامريكية تستخدم السلاح الكيماوي على نطاق واسع.. اسراب طائرات ترش مساحات واسعة بمواد كيماوية خطيرة. وكانت النتيجة بعد الحرب اصابة آلاف مؤلفة من الفيتناميين بأمراض مستعصية ورثها أطفالهم تشوها وكساحا. ومع ذلك تصر واشنطن على استمرار العقوبات المفروضة على العراق بحجة انه يمتلك اسلحة كيماوية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل. وان كان هذا يعني شيئا فهو يعني ان السياسة الامريكية باقية على حالها من وجهين: أولا, تحليل واشنطن لنفسها ما تحرمه على غيرها.. وثانيا, الاقتراب من مسألة اسلحة الدمار الشامل بذهنية انتقائية لتجريم اعداء (العراق وايران) والسكوت على حلفاء (اسرائيل). على ان واشنطن لم تستطع انكار استخدام السلاح الكيماوي في فيتنام.. فقد اسفر الرش العشوائي عن اصابة جنود امريكيين ايضا لا يزالون رهن العلاج حتى اليوم.