انتهت المعركة الانتخابية فى مصر بخيرها وشرها.. ورغم العديد من الملاحظات التى قيلت وستقال عما جرى فى هذه الانتخابات, فستظل بلا شك تلقي بظلالها على الحياة السياسية لفترة طويلة وستظل رغم كل شيء تمثل خطوة متقدمة فى الطريق لحياة ديمقراطية صحية وسليمة. وقد كان يمكن للانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة أن تكون انقلابا دستوريا كاملا, فقد تهيأت لها ظروف أكثر من مناسبة لتكون شيئا جديدا فى تاريخ الانتخابات فى بلادنا العربية.. اشراف قضائى كامل يكفل الحيدة والنزاهة فى مراقبة عملية التصويت, ومناخ يكاد يصرخ بالحاجة الى اصلاح سياسى بعد سنوات طويلة من الركود والبلادة الحزبية, وتحديات داخلية وخارجية تفرض على المجتمع استنفار كل طاقاته ليتمكن من مواجهتها, وبرلمان مضى جمع كل السيئات الممكنة وغير الممكنة.. من عجز عن القيام بعملية التشريع كما ينبغى, إلى غياب المراقبة الواجبة للحكومة, إلى تفشى الفساد بين نواب للقروض (لهفوا) مئات الملايين من البنوك بلا ضمانات, أو أعضاء تاجروا فى تأشيرات الوزراء وشقق الحكومة, إلى أعضاء اتهموا بالنصب أو البلطجة.. مما جعل البحث عن نواب من نوع جديد يعيدون الاحترام للبرلمان أمر واجب. وبالفعل, فقد جرت انتخابات المرحلتين الأولى والثانية فى ظل هذه الاجواء التى زادتها اشتعالا أحداث الانتفاضة الفلسطينية التى تركت آثارها فى الشارع العربى كله, وخلقت مناخا من الغضب الشعبى الذى بدا واضحا فى الخطاب الانتخابى من ناحية, وفى النتائج التى صعدت بتيارات المعارضة والمستقلين إلى المقدمة. كانت نتائج المرحلتين الأولى والثانية رسالة احتجاج واضحة على سياسات الحزب الوطنى وعلى أسلوب اختيار مرشحيه وفرضهم على الناخبين فى الانتخابات السابقة فى غياب اشراف محايد ونزيه.. هذا الأسلوب الذى انكشف تماما فى هذه الانتخابات الأخيرة وفى ظل اشراف القضاء على عمليات التصويت, فتوالت المفاجآت, وسقطت رموز كانت لا تتصور أنها ستكون يوما خارج البرلمان, وبات واضحا أن الحزب الذى ورث الحكم والسلطة اكتفى بما ورث ولم يحاول تجديد نفسه, ولم ينجح فى التواجد الحقيقى فى الشارع السياسى, وظل مجرد جزء ضعيف فى السلطة بدلا من أن يكون هو الأساس الذى يملأ الشارع السياسى بالحركة, والذى يحقق أغلبيته بعيدا عن نفوذ السلطة, ويسيطر على السلطة التنفيذية بدلا من أن يكون ظلا باهتا لها. دفع الحزب الوطنى ثمن ذلك كله. لكن المفارقة أن الجماهير وهى تتوجه لصناديق الانتخابات لم تجد البديل السياسى الحقيقى بين الاحزاب القائمة, فأعطت أصواتها لقلة من المستقلين الحقيقيين الذين يملكون تاريخا مشرفا, كما أعطته لكثرة من المستقلين الذين لا يملكون ولاء سياسيا حقيقيا, ورفض الحزب الوطنى ترشيحهم لسبب أو لآخر, فدخلوا الانتخابات كمنافسين لمرشحى الحزب الوطنى, وأخذوا أصوات الناخبين من باب (العند) تارة, ومن باب الخدمات الشخصية والعلاقات العائلية والقبلية تارة اخرى, ومن باب عدم وجود (البديل) السياسى الصالح فى معظم الأحوال. وبالطبع.. فهذا لا يشمل مرشحى الإخوان المسلمين الذين اضطروا للنزول كمستقلين, والذين حققوا مكاسب معقولة فى ظل تراجع الخطاب السياسى الحقيقى فى الانتخابات, وغلبة العلاقات الشخصية والخدمات التى برع الاخوان فى تقديمها فى الأحياء الشعبية, ثم أيضا كفعل احتجاج على الفساد الذى طال نوابا سابقين ومرشحين حاليين. وهذا النجاح الرمزى للإخوان المسلمين (15 نائبا من 300 فى المرحلتين الأولى والثانية) ألقى ظلاله على المرحلة الثالثة ومارافقها من أحداث. وقد كان من الممكن أن يمر الأمر بهدوء لو أن الأحزاب الأخرى حققت نتائج لها قيمة. لكن تواضع النتائج التى حققتها أحزاب المعارضة أبرز دور الاخوان كقوة أساسية وجعل العديد من قيادات الحزب الوطنى المسئولة عن هزيمة مرشحى الحزب تحاول استعادة مواقعها, وانعكس ذلك كله على الجولة الثالثة من الانتخابات التى احتشدت لها كل الأجهزة التنفيذية من أجل تعويض ما فات وضمان اكتساح الحزب الوطنى ومرشحيه. وهكذا جاءت الجولة الثالثة حافلة بالعنف, ومع استمرار القضاة فى الاشراف على عملية التصويت (داخل) اللجان, كان العمل (خارج) اللجان يجري على وتيرة أخرى, وكان على الكثير من القضاة أن ينتظروا الناخبين بلا جدوى, بعد أن تم وضع العراقيل أمام وصول الناخبين غير المرغوب فى أصواتهم, وأحيطت اللجان باستحكامات أمنية وبعوائق أخرى من عصابات ترتدى الملابس المدنية وتمارس العنف مع (بعض) الناخبين وهو العنف الذى طال العديد من الصحفيين لمنعهم من تسجيل مايحدث. ورغم ذلك كله فقد كان عدد الناجحين فى هذه الجولة من المستقلين أكثر من الناجحين من المرشحين (الرسميين) للحزب الوطنى. وصحيح أن معظم المستقلين انضموا للحزب بعد نجاحهم, ولكن ذلك لا يغير من حقيقة أن أكثر من نصف مرشحى الحزب قد سقطوا فى هذه الجولة رغم كل مااستخدم من وسائل لإنجاحهم. ولا شك أن ماحدث فى الجولة الثالثة قد وجه ضربة شديدة لصورة هذه الانتخابات التى كان من الممكن أن تتحول إلى حدث تاريخى حقيقى. ومع ذلك فإن ماحدث سيفرض نفسه على الحياة السياسة لفترة طويلة.. سواء بما كشفه من ضعف الحياة الحزبية, أو بما يعلن عنه من ضرورات الاصلاح السياسى أو بمايصرخ به من حاجة ماسة للتغيير واستحالة استمرار حالة الركود التى تهيمن على الحياة السياسية والواقع الحزبى. إن القراءة الصحيحة لماحدث أمر ضرورى والتقييم الشامل لابد منه إذا أردنا ألا نعتبر هذه الانتخابات مجرد (حادث) مر فى تاريخ الحياة البرلمانية. وإذا وضعناها فى مكانها المطلوب كنقطة انطلاق الى ممارسة ديمقراطية تحتاجها مصر وتستحقها. إن هذا التقييم المطلوب لإيجابيات وسلبيات التجربة الانتخابية ينبغى أن يكون مهمة وطنية تشارك فيها كل الأطراف, وتتم على أسس علمية, ويتحقق لها أقصى قدر من الحياد والموضوعية, وتقوم بها هيئة مستقلة تكون محل الاحترام من الجميع. إن هذا التقييم المطلوب ينبغى أن يشمل عدة جوانب فى مقدمتها. لماذا سقط 60% من المرشحين الرسميين للحزب الوطنى رغم كل الدعم الذى تلقوه؟ هل كانت الرغبة فى التغيير هى السبب.. أم سوء اختيار الحزب لمرشحيه.. أم تدخل العوامل الشخصية فى هذا الاختيار؟ وهل كان الدعم الحكومى عونا للمرشحين فى كل الأحوال أم أنه تحول إلى عبء سياسى فى أحيان كثيرة.. خاصة فى ظل الأداء المتواضع للحكومة الحالية؟ ثم.. لماذا سقطت أحزاب المعارضة, وتركت مكانها للمستقلين.؟ هل هى مسئولية هذه الأحزاب التى لم تستطع أن تقدم أى رؤية بديلة لرؤية الحكومة؟ أم أن جزءا من المسئولية يقع على القيود التى تفرضها القوانين الحالية على حركة الأحزاب والحصار الذى تفرضه الحكومة عليها. إن الأحزاب تشكو من هذه القيود التى تكبل حركتها.. ولكن هذا ليس كل شيء, فجماعة الإخوان تعانى من حصار أشد, ومع ذلك استطاعت أن تستغل ضعف الحياة السياسية لمصلحتها, وتتواجد فى الشارع, وتأخذ مساحة لم تستطع الأحزاب السياسية الموجودة أن تشغلها. إن القوانين الحالية تضعف العمل الحزبى إلى حد كبير. ولكن الأحزاب نفسها أيضا تعانى من أمراض عديدة.. منها غياب الديمقراطية وتردي الأوضاع الداخلية وتفشى الانقسامات والمعارك الشخصية, والقناعة بمجرد التواجد فى الساحة الحزبية, والسعى لرضا الحزب الحاكم بدلا من منافسته, والانشغال بصراعات الماضى عن تقديم الرؤية المستقبلية التى تحتاجها مصر وترك مهمة تجديد القيادات للقضاء والقدر بدلا من امتلاك الألة الحزبية الحقيقية القادرة على تجديد شباب الحزب بالأفكار والقيادات القادمة من عمل جماهيرى حقيقى. لقد سقطت الأحزاب كلها فى هذه الانتخابات ـــ بما فيها الحزب الوطنى بأمراض الشيخوخة وتصلب الشرايين, وبالعجز عن الوصول للشارع. فكانت النتيجة غياب السياسة عن هذه الانتخابات التى حكمتها العوامل الشخصية, وتحولت فى معظمها إلى مايشبه انتخابات المجالس المحلية. وذهبت فيها الأصوات لمرشحين بسبب الخدمات الشخصية أو القيام بالواجبات الاجتماعية أو الصلات العائلية.. أو حتى مجرد البعد عن الفساد. ومن هذا الطريق وجد المرشحون الإسلاميون مكانا لهم, بالاضافة طبعا إلى قدراتهم التنظيمية التى ازداد وزنها الانتخابى فى ظل قلة عدد المشاركين فى الانتخابات بسبب عوامل كثيرة آخرها عدم التعرض لـ (البهدلة) كما حدث فى الجولة الثالثة من الانتخابات الأخيرة. إن تقييما شاملا لكل ذلك لابد أن يحدث, وتعديلات أساسية لابد أن تعقبه لتسقط القيود التى تكبل حركة الأحزاب السياسية, ولتفتح الباب أمام كل التيارات السياسية لتقيم أحزابها على أسس قانونية وسياسية ولتقدم اجتهاداتها فى قضايا الوطن, ولتنهى هذا الفراغ الذى تعانيه الحياة السياسية, ولتحفظ الدين من مخاطر أن يتحول إلى مجال للصراع أو رداء للتطرف. ولابد أن التقييم المطلوب سيشمل دور القضاء فى الاشراف على الانتخابات. ولاشك أن التجربة قد نجحت فى المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات, وواجهت أوضاعا صعبة فى المرحلة الثالثة, وهو ماجعل الكثيرين يطالبون بألا يقتصر دور الاشراف القضائى على عملية التصويت, بل يمتد ليشمل العملية كلها من اعداد جداول الناخبين حتى اعلان النتائج. وهو الامر الذى يضمن ألا يقوم الموتى بالمشاركة فى الانتخابات, وألا يتكرر ماحدث من اهمال لأحكام قضائية باستبعاد مرشحين أو تغيير صفاتهم. فى المقابل هناك جبهة تعارض ذلك, بل وتعارض الاشراف القضائى على أى مرحلة من الانتخابات, باعتبار أن ذلك سوف يصرف القضاة عن عملهم الأساسى وسوف يعطل العمل فى المحاكم, خاصة أن هناك انتخابات أخرى لمجلس الشورى, ثم انتخابات للمجالس المحلية. وربما كان الحل هو إنشاء هيئة مستقلة تشرف على عملية الانتخابات وتتمتع باستقلال حقيقى عن أجهزة الحكومة. وأظن أن الطريق لذلك مازال مليئا بالعقبات وأنه سيظل حلما ديمقراطيا نسعى لتحقيقه فى يوم ما. وكل مانأمله أن نحافظ على ماتحقق من اشراف قضائى على التصويت, وان نجد وسيلة لمعالجة السلبيات التى وقعت, وضمان الا يتعرض المواطنون لماتعرضوا له فى المرحلة الثالثة وهم يحاولون المرور من (المعابر) التى اقيمت حول مقار اللجان الانتخابية لمنعهم من اداء (واجبهم!!) الانتخابى. وإذا كان هذا الأمر يحتاج لوقت وجهد, فإن هناك مهمة عاجلة لابد من القيام بها, وهى اصلاح الخطأ الذى أوقعت فيه الحكومة الجميع بعدم خضوعها لأحكام القضاء النهائية التى صدرت باستبعاد بعض المرشحين وتغيير صفة البعض الآخر. هذا الأمر لا يحتمل الانتظار ولا ينبغى التهرب منه بالحجة البالية بأن مجلس الشعب هو (سيد قراره) لأن مصداقية النظام أهم من استبعاد وزير أو سقوط بضعة نواب لن يقدم وجودهم فى مجلس الشعب أو يؤخر. ولكن وجودهم رغم أحكام القضاء يخلق وضعا غير قانونى ويقود إلى أزمة مع القضاء لا مبرر لها. وليتذكر الجميع هنا أن الخطوة الهامة التى تحققت (وهى اشراف القضاء على عملية التصويت) ما كان يمكن أن تتم لو استمع الرئيس مبارك لترزية القانون الذين أشاروا بتجاهل حكم القضاء بعدم دستورية مجلس الشعب السابق. لقد رفض مبارك يومها الاستماع إليهم, وأصدر القانون الجديد الذى حقق الإشراف القضائى على مرحلة هامة من العملية الانتخابية, وبدأت مرحلة جديدة فى الممارسة الديمقراطية لابد أن يتم استكمالها بتصحيح مايقع من خطأ فى الممارسة, وبتأكيد مايتحقق من نجاح, وبالإيمان العميق بأن كل خطوة على طريق الديمقراطية سوف تدعم الاستقرار, وتحاصر بؤر الارهاب والفساد, وتفتح الباب للمزيد من التنمية والبناء. وأعتقد أن الرئيس مبارك سوف يكون أكثر الجميع حرصا على نجاح التجربة التى بدأت بالإشراف القضائى, ولابد أن تكتمل باحترام أحكام القضاء.. مع كل الاعتذار منا لـ.. سيد قراره!