لا شك في ان اي عاقل سيقرأ تفاصيل شبكة الارهاب التي اكتشفت اخيرا في الكويت, كميات المتفجرات والاسلحة التي وجدت بحوزة افرادها, وينظر في تشعب علاقات هذه المجموعات الاقليمية والدولية, لا شك في انه سيصاب بقلق شديد وعميق من جراء هذا الحشد الهائل من الافكار التي سرعان ما تتحول الى رصاص وقذائف توجه الى صدر المجتمع لتصيبه في مقتل, وتقضي على مقومات الدولة وأسس المجتمع, وتنشر الفساد بعد الاضطراب, ولا يستطيع عاقل ان يسمع او يرى نتائج العمل الارهابي الاخير في مدينة الرياض الآمنة الا ويشجب فاعليه, مدبرين ومنفذين. ولم يبق احد في الكويت من العقلاء والمستنيرين الا وجاهر برفضه لهذا المسلك الذي يتخذ من العنف وسيلة لترويع المجتمع وفرض الرأي بقوة البندقية, وهي وسيلة ــ في مبتداها ومنتهاها ــ بعيدة عما تصالح عليه الكويتيون من الاتفاق على الحوار بالحسنى, وسيلة للتوصل الى ما يمثل مصلحة للمجتمع ورفعة للوطن, كما لم يبق أحد من العقلاء الا واستنكر هذا الامر وشجبه ووجد فيه انذارا حقيقيا لما يمكن ان تؤول اليه البلاد من فوضى, وما يعانيه العباد من قلق واضطراب وخوف. ان الحقيقة التي تعكسها مثل هذه الاحداث الاخيرة, هي ان العنف الذي اندفع من داخل القمقم, منذ قليل, قد أمسى الآن ماثلا بين ايدينا وقريبا من رقابنا, بل ويحفر الارض تحت موطىء اقدامنا. ولعل الجميع يعرفون ان مارد العنف الآخذ في النمو والتمدد الآن انما هو نتيجة مباشرة (وطبيعية) لموجة من التثقيف المضاد للمجتمع المدني انتشرت في المجتمع, ثم سرعان ما استغلها واستفاد منها القلة في مهاجمة الكثرة, دافعين في تلك المعركة وقودا من الشباب الذي لم يجد من يقوده الى الخير او يطمئنه الى الصواب او يأخذ بيده بعيدا عن مزالق الخطر والضلال, فطفق يقوض اركان المجتمع ويضعفها بالباطل دون فهم او روية او هدف. فإن كانت كل هذه الذخائر والقنابل التي نشرت صورها في الصحف موجهة الى اهداف وطنية فقد اخطأت التوجه وتجنبت الطريق السوي وطعنت الوطن وهدمت أمان المواطن, وإن كانت موجهة الى اهداف دولة صديقة فإنها تكون قد ضلت الغاية ونأت عن المصلحة العليا لبلدها. مثل هذه الشبكة قد ابتليت بها مجتمعات اخرى. فقد صمدت مصر لسنوات طويلة امام مثل هذه الشبكات التخريبية, التي كان لها محاولات عدة للاغتيال والتدمير, كما استباحت دماء لسياح اجانب ومواطنين مصريين ابرياء, كما اهدرت دماء كثيرة وعزيزة بأيدي جماعات التعصب السياسي الاعمى والفكر المتطرف, التي تريد ــ من بين امور اخرى ــ ان ترغم المجتمع بأسره على الخضوع لأهوائها والسير في طريقها غير المعبد. وقد عانت مجتمعات عدة اخرى كثيرا او قليلا من هذا الارهاب المنظم, ولم تنج من قبضته الدامية الا عواصم عربية قليلة حتى الآن. هدف هذا الارهاب ان تعيش المجتمعات على فوهة بركان دائم الفوران والاشتعال حتى يسود القلق, وتنحدر القوى الاقتصادية وتتعرقل برامج التنمية, وهي اهداف تتشارك فيها كل العناصر المعادية لتقدم الامة وانعتاقها من التخلف والضعف, وهي ليست مقتصرة على بلد بعينه, فلها شبكة من الاتصال وطرق التثقيف العام المعادي للمجتمع كما ان لها مصادر تمويل ودعم وتحشيد في العديد من العواصم. ولعل هذا الوقت ــ خصوصا ــ هو الوقت المناسب لتفعيل دور التثقيف الحقيقي, حتى نتمكن من استعادة جيل اختطف من اجيالنا العربية عن طريق التسييس السلبي والتثقيف المضاد, فاتخذ شعارات مغلوطة يعتقد بصحتها, ثم حورها الى مفاهيم حركية مناهضة للمجتمع, وجرى تجنيد الاتباع على غرارها. في الفترة الاخيرة نرى ان هذه الظاهرة قد تفاقمت واستغلت الحماس الجماهيري المصاحب لما يحدث في ارض فلسطين لتحاول الاختباء وراءه من اجل تنفيذ اهدافها التخريبية. منذ اسابيع قليلة حدث ما حدث في عدن من ارهاب ضد سفينة حربية امريكية زائرة للميناء, وما تكشفت عنه التحقيقات حتى الآن هو ان هناك شبكة كبيرة نشطة تقف خلف العمل ما زالت السلطة اليمنية تحاول فك شيفرتها ثم اكتشفت ــ بعدها ــ الشبكة الارهابية في الكويت, وقد مَنَّ الله على هذا البلد بفضل العيون اليقظة الساهرة على امن الوطن والمواطن, بأن كشف امر هذه الشبكة قبل ان تحقق بعض مقاصدها. ولن تكون مفاجأة أن تضرب مجموعة اخرى ضربة عبثية, هنا او هناك, سواء في دول الخليج المستقر لزمن طويل, او في اي مكان آخر من ارض العرب. لم يسبق لجيل كامل من اخواننا في الخليج ان مروا بتجربة التفجيرات او الاغتيالات او التهديدات التي نمر بها اليوم او التي مررنا بها قبل فترة, والتي يتحتم اخماد لهيبها وردم جوفها البركاني, وهو الامر الذي لن يتحقق بفعل النيات الطيبة فحسب, بقدر ما يحتاج الى جهد عقلي وتثقيفي مستمر ومتزامن مع جهود اخرى تنموية واعلامية. لكن الجهد الاهم الذي ينبغي ان يتضافر مع هذه الجهود هو عدم الخضوع من قبل مجموع الشعب, أو الاغلبية الصامتة, لما تدعو اليه هذه الفئات من عنف انقلابي, او سعي لاخضاع المجتمع لما تعتقده وتطرحه من سياسات ترمي الى تطبيقها بالقوة, ومن خلال فوهات المسدسات وشظايا القنابل. فليس من حسن ادارة المجتمع والحفاظ على استقراره غض النظر عما تدعو اليه هذه الجماعات من خطل, أو عما تتخذه من وسائل غير مشروعة لفرض رأيها على المجتمع, لأن ذلك من شأنه ان يجعلها تستمرىء العنف وتتوق اليه, وتملأ اذهان عناصرها بثقافته. فالعنف هو أسوأ ما يمكن ان تلجأ اليه جماعة لتتخذه منهجا للوصول الى التحكم في المجتمع وسلب السلطة, وهو ما نبذه الاسلام العظيم وحث على دحره, كما ان تجارب الامم الكثيرة قد أقنعت العالم بأن العنف ما هو الا وسيلة الى الخراب والدمار. لقد قامت فئة اكثر من مرة في عالمنا هذا الفسيح بتبرير ما اسمته (العنف الثوري) فماذا جنت بعد تجربة طويلة من الوصول الى الحكم في بلاد عدة؟ لا شيء البتة, غير الخراب لمجتمعها واقتصادها, وقد مورس العنف من قبل الدول الشمولية, فلم تبق ولم تعمر. وهكذا فإن العنف المتمثل في ارهاب الآخرين وقتلهم او اسكاتهم هو اقصر طريق لنهاية المجتمع وإفنائه. لعل الامر الذي يجب ان تلجأ اليه المجتمعات التي ابتليت بمثل هذا العنف او التبرير له, عاجلا لا آجلا, هو تثقيف صحي وصحيح يسلكه شباب المجتمع في الطريق الذي يفضي الى المصلحة العامة, وما يبتغيه المجتمع من اجل اللحاق بالعصر, ولم يكن عبثا ان يتبنى سلفنا المفكر والعاقل مبدأ (الوسيلة جزء من الغاية) فإن كانت الغاية مثالية ومرغوبة وذات هدف انساني عظيم فلا يجوز ان نتوصل اليها بوسيلة مناقضة وبالمثل فإن الوسيلة السلبية التي يرفضها المجتمع غالبا تنبع من غاية مريضة يرفضها المجتمع, ويسعى اصحابها (القلة) الى فرضها على الاغلبية في المجتمع, ليس هذا فحسب, بل ان القلة الخاطئة تتسلح بالنار والبارود من اجل اخضاع الاغلبية التي تقف في دائرة الصواب, لآرائهم الموغلة في الضلال. المؤكد ان الارهاب لا ينبع من مجرد سأم الافراد او بعضهم, من الواقع, ورغبتهم في الخروج منه والتمرد عليه, ومخاصمته وهجرانه الى مجتمع آخر, او فكر آخر بل الارهاب ــ كما يتبدى للجميع في صور مختلفة ــ هو فكر يمحو فكرا, وفئة تسعى لاستئصال بقية المجتمع, وتنظيم هرمي دقيق يعززه المال الطائل والسلاح الوفير, وتخطط له نخبة من المتحكمين تتجاوز اهدافهم ــ بكثير ــ الشعارات الساذجة التي يحملها اتباعهم من الاغرار منفذي العمليات الارهابية هنا وهناك, هؤلاء الذين يحملون في ايديهم الرشاشات والقنابل, كما يحملون في ادمغتهم شعارات مضللة لا يعرفون هم ما الذي يمكن ان تفضي اليه. فقط قلة من رؤوس زعمائهم هم الذين يعرفون الغاية البعيدة والهدف الاسمى لهذا الارهاب, انه القفز الى السلطة والتحكم في المجتمعات وجرها الى الوراء قرونا, بينما هؤلاء المنفذون لا يعدون كونهم ادوات لا عقل لها! ان المجتمعات التي تملك الصحة والعافية, يمكنها ان تواجه مثل هذا الامر بما يستحقه من اعتبار واكتراث, جاعلة اياه أولوية وطنية. فتقويض اسس الدولة هو المدخل الى التفكك الاجتماعي والفوضى المخربة, حيث يجيىء معظم النار, دائما, من مستصغر الشرر. لذا يتعين على المجتمع بكل فئاته, الآن وفورا, ان يفتح ابواب المناقشة حول ظاهرة الارهاب, وبيان الفارق بين الطرق القانونية في التعبير وتلك الخارجة على القانون, وبين ما ينفع الناس وما يضرهم لأنه دون ذلك يختلط السياسي بالارهابي, ويغيب الامن عن الناس, وتغيم في عيون الجميع صورة الوطن, وتتحول مخاوف الاغلبية المتخيلة الى رعب حقيقي.